تأملات في مسألة القدس (1) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد جعل الله -سبحانه وتعالى- مصائر الأمم والشعوب مرتبطة بأحوالهم وإيمانهم، وأعمالهم وأقوالهم، فحسب ما يصنعون يفعل بهم -سبحانه-؛ فهو الذي بيده الأمر وبيده الملك، وهو الذي يخفض ويرفع، ويعز ويذل، ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (آل عمران: 26-27) .
وأكثر الناس لا ينتبهون لذلك، ويظنون أن المال والعزة والسلطة هي التي تحدد الأمور، وهي التي تحدد مستقبل الدول والجماعات والطوائف؛ لكن الحق الذي لا شك فيه أن هذا ابتلاء من الله -تعالى- لخلقه؛ لينظر: ماذا يصنعون إذا مكَّن لهم؟! قال -تعالى-: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (يونس: 14) ، وجعله -سبحانه- سنة ماضية لا تبديل لها، قال -تعالى-: ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) (فاطر: 43) .
إن الكفر والفساد والكبر لا بد أن يكون عاقبته الذل والهوان، وتسليط الأعداء، وإن كانوا أكفر ممَّن فعل الفساد والعلو، ولكن يسلطهم الله -عز وجل- ثم ينتقم من الذين سلطهم إذا كانوا أهل فساد، وأما أهل الإيمان والتقوى، فقال -سبحانه وتعالى-: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (الأعراف: 96) ، فالإيمان والتقوى سبب لجلب البركات، ورفع المحن والابتلاءات، أما التكذيب والكسب والعمل السيئ؛ فمآله أن يأخذهم الله، وكم مِن أمم سادت ثم بادت، وهذه آثارهم تعرفنا بمآلهم ومصيرهم؛ فأين قوم ثمود ومساكنهم إلى الآن موجودة في الجبال منحوتة، تشهد بأنهم كانوا في القوة بما لم يمكن لغيرهم؛ فقد نحتوا الجبال نحتًا، وقوم ثمود قبل إبراهيم -عليه السلام-، وكذلك قوم عاد لا تزال ترى مساكنهم: ( فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) (القصص: 58) .
وهذه آثار الفراعنة وآثار عبادتهم لغير الله -تعالى-، وآثار شركهم وكفرهم، وبغيهم على الناس؛ فكيف كان مآلهم؟ وأين ذهبت دولتهم؟ وأين ملكهم؟ وأين سلطانهم؟ كل ذلك قد ذهب، وهكذا لا يجوز أن يغرنا ما عليه الكفار، قال -تعالى-: ( لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ . مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) (آل عمران: 196-197) .
والله -سبحانه وتعالى- قد قصَّ علينا من قصص بني إسرائيل ما نعلم به سنته، ونعلم به مآلنا ومآل أعدائنا، وأي نوع من الأعمال والاعتقادات نصنع ليكون ما لنا، قال -تعالى-: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) (الإسراء: 4-8) .
إنها سنة ماضية ليست فقط لبني إسرائيل، بل إن القاعدة: ( وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا )، ولن ( تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) (فاطر: 43) .
قضى الله في الكتاب، وقضى إليهم: يعني أخبرهم في الكتاب المنزَّل أن هذا سيحدث منهم، وأخبرهم بذلك تحذيرًا لهم من الفساد والكبر، وهو تحذير كذلك لنا، ولكل الناس؛ فإن الله جعل عاقبة البغي إلى الذل والهوان، وجعل عاقبة الظلم والفساد في الأرض إلى الانكسار والزوال، قال -تعالى-: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ) أي: لتفسدن في الأرض مرتين كبيرتين، ( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ) وأعظم صور الإفساد هي الشرك بالله والبدع.
وقد ذكر أهل العلم: أن بني إسرائيل بعد أن نجاهم الله من فرعون امتنعوا عن دخول الأرض المقدسة أرض فلسطين التي كتبها الله لهم بإيمانهم لا بمجرد نسبهم، فإن سكانها كانوا قوم كافرين، فجعل الله -عز وجل- أرض القدس وفلسطين لبني إسرائيل لما كانوا موحِّدين، ولكنهم عصوا وفضلوا الركون إلى الأرض والإخلاد إليها، وقالوا لموسى -عليه السلام-: ( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ) (المائدة: 22) ، يودون أن يسلم الناس لهم البلد، وأن يفتحوا لهم الأبواب، وأن يرحلوا منها أيضًا، وأن يتركوا لهم بيوتهم ومنازلهم؛ أي جهل هذا؟! وأي غباء هذا الذي يطلبونه؟!
وأي ركون إلى الدنيا هذا الذي يرغبونه؟!
