شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

إسرائيل من الانتصار على جيوش الدول للهزيمة على يد المُنظَّمات!

غريب أبو الحسن • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

- تَجمَّع اليهود في بدايات القرن الماضي بوعد من بريطانيا العظمى التي نهبت خيرات الشعوب، والتي مهدت الطريق أمام عصابات اليهود للاستيلاء على فلسطين شيئًا فشيئًا؛ هذا لنذكِّر مَن اتخذ بريطانيا وكرًا ومقرًّا للمطالبة بالحريات، ومنبرًا للهجوم على بلادهم: أنك تتكئ على مَن احتل وساهم في اغتصاب فلسطين، وأرسل مؤخرًا قواته البحرية لإنقاذ حليفتهم المنهارة!

- عملت إسرائيل منذ نشأتها على توفير ملاذٍ آمن لشذاذ الآفاق من اليهود، ووعدتهم بالمسكن والعمل، وقبل كل ذلك بالأمان.

- وبدعم من الدول الغربية استطاعت إسرائيل أن تدير كل معاركها بعيدًا عن الأرض التي احتلتها، وعن مواطنيها الذين جمعتهم من كل بقاع العالم كما يجمع التاجر اليهودي البخيل الملاليم الصدأة ليرابي بها، ويفسد بها في الأرض.

- خاضت إسرائيل حروبها وتوسعاتها على حساب الدول العربية، وعلى حساب أمن المواطن العربي، فمن كان يقصف ويقتل هي "مدرسة بحر البقر"، و"هضبة الجولان"؛ أما المواطن في إسرائيل فكان ينعم بالأمان.

- ثم بنت إسرائيل الأسوار والجدران، وزودتها بأحدث التقنيات كعادة اليهود من العيش في الحصون والملاجئ، وحاصرت أصحاب الأرض في مساحات ضيقة وفي معاناة واسعة.

- ثم بنت القبة الحديدية، ومقلاع داود، وغيرها من منظومات الدفاع الجوي.

- ثم أحاطت أطراف إسرائيل بالكتائب والجيوش، مثل: كتيبة غزة، والتي كانت تحيط بغلاف غزة الحبيبة.

- ثم تباهت أمام العالم مرارًا بقدراتها الاستخباراتية التي تمكنها من معرفة تفاصيل ما يحدث في الغرف المغلقة عند العرب.

- أحاطت إسرائيل نفسها بجيش متطور، وسلاح جو به أحدث الطائرات، وقطع بحرية حرمت كل شيء على قطاع غزة حتى الأسماك، وبروباجندا إعلامية عن قدراتها الأسطورية، لتحبط من حولها من دول وشعوب عن مجرد التفكير في استعادة الأرض المستباحة والكرامة المهدرة.

- أمنت إسرائيل من جيرانها العرب المنغمسين في أزماتهم الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى إن آخر أزماتها لم تكن مع العرب، بل كانت داخلية عندما أراد رئيس وزرائها البغيض أن يقود المنظومة القضائية عندهم لصالحه.

- أمنت إسرائيل حتى إنها صعدت من طموحاتها التوسعية والاستيطانية في الضفة الغربية، وصارت تقضم باستمرار قطعة من الضفة حتى تسد نهمها الاستعماري الذي لا يشبع.

- أمنت إسرائيل حتى أنها دفعت بالآلاف من قطعان اللصوص من متطرفي اليهود لاجتياح ساحات الأقصى الشريف أملًا في تسريع وتيرة بناء هيكلهم المزعوم.

- ثم جاء ما بدد كل هذا الأمن وكل تلك التحصينات، لتجد إسرائيل نفسها كالفرخ المبتل المرتعد في ليلة مطيرة في أرض كثيرة الذئاب؛ فجاء "طوفان الأقصى" ليكشف إسرائيل أمام نفسها وليذل من كرامتها، جاء ليتجاوز أجهزتها الاستخباراتية المتعجرفة، وجدرانها الذكية الحصينة، وقبتها الحديدية المحكمة، وأسطول طائراتها ونخبتها العسكرية، لتنهار فرقة غزة المرعبة في ساعات على يد بضع مئات من المقاومين، ثم ليجد قطعان المستوطنين المغتصبين للأرض الفلسطينية أنفسهم وجهًا لوجه مع أصحاب الأرض وأصحاب الحق، نعم كانوا ملثمين، ولكنهم لو كشفوا القناع لرأى المستوطنون أثر الندبات والإصابات جراء القصف الوحشي المتكرر الذي ظلت ترتكبه إسرائيل تجاه الفلسطينيين، ولو نظروا لعيونهم لرأوا نظرات الحزن والألم المخزنة في عقولهم من مشاهد حفرت في صدورهم لأبنائهم وآبائهم الذين استشهدوا في جرائم القصف المتكرر على مدنهم وقراهم من قبل.

- مرت ساعات حتى استوعبت إسرائيل ما حدث وهرعت تستنجد بمن زرعها في أحشائنا من المحتلين السابقين لبلادنا، وأصبحت في حيرة... ماذا تفعل؟ وهي في ذات الحيرة حتى الآن... ماذا تفعل؟ فقد انهارت معادلتها الأمنية في ساعات؛ تلك المعادلة التي تقول لليهود حول العالم: تعالوا وسوف تحصلون على السكن والعمل والأمان! والتي تقول للسياح: إننا نملك جهاز استخبارات وقبة حديدة تجعل شواطئ تل أبيب أأمن مكان في العالم! والتي تعزز الاقتصاد وخاصة مجال التكنولوجيا وتقول للمستثمرين: أنت في أكثر الأسواق استقرارًا على مستوى العالم!

- إذًا انهارت المعادلة الأمنية التي بُنِيَت عليها إسرائيل؛ لذلك هم إسرائيل الآن هو استعادة تلك المعادلة بأي ثمن؛ إنها تريد أن تقول للمستوطنين وللعالم: إن إسرائيل تتمتع بالأمان كما كانت، ولكنها لن تستطيع أن تقول ذلك وتلك البقعة المسماة: "غزة"، والتي تساوي 6 % تقريبًا من مساحة فلسطين لا زالت تدب فيها الحياة، ولا زالت تحتضن المقاومين في باطنها.

- اليوم حين تحاول إسرائيل أن تطمن المستوطنين والسياح والمستثمرين، وتقول: لدينا جيش من أقوى الجيوش، واستخبارات عالية الكفاءة، ورؤية إستراتيجية و... سيكون الرد عليها بابتسامة استهجان أن كلَّ ذلك انهار في ساعات، وتم التغلب عليه بتقنيات أشبه بالبدائية! فكلما طمأنتهم إسرائيل ووعدتهم بالأمان، نظروا تلقاء غزة متشككين.

لذلك فالبديل الذي تريد أن تقدمه إسرائيل لشعبها أن تقول: لا توجد غزة، لم يعد هناك غزة، حاولت إسرائيل وهي في صدمة طوفان الأقصى أن تضع حلًّا ساذجًا، وهو: أن تدفع مصر للقبول بتوطين الغزاويين في سيناء، فكان رد مصر صارمًا: لا. ولا كبيرة الحجم، وبشكل قاطع، وسارعت الأردن إلى التصريح بأن الحديث عن التهجير يعني إعلان حرب، ثم حاولت إسرائيل أن تدفع الفلسطينيين بالقصف والترهيب للنزوح إلى مصر، فتمسك الفلسطينيون ببلادهم أكثر، وعانقوا أرضهم حتى اختلطت دماؤهم وأشلاؤهم بأرضها! ولن يرحلوا، حتى خرج علينا أحد مجرمي الكيان الإسرائيلي، بل هو في الحقيقة وزير من وزراء نتنياهو ليطلب قصف غزة بالنووي! هكذا بمنتهى البساطة، ولم يدرِ المأفون أن ما سقط على غزة كما يقول المحلل "فايز الدويري": يعادل ثلاث أضعاف قنبلة هيروشيما! ولم تسقط غزة.

- ثم أخذت إسرائيل تتراجع لحلول مِن نوعِ القضاء على المقاومة، بل القضاء على قدرات المقاومة العسكرية، والتي تشكل تهديدًا على إسرائيل، بل القضاء على قيادات المقاومة، بل القضاء على قائد المقاومة، والعقل المدبِّر لـ 7-10-2023م!

الصفحة التالية