الأحجار الكريمة في القرآن الكريم
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
مما عرف عن علماء المسلمين أنهم اتصفوا بالأمانة والدقة في النقل، كما عرف عنهم أنهم الذين استحدثوا واعتمدوا المنهج التجريبي، واستخدموه في إثبات الحقائق العلمية. ومَن لا يلتفت إلى هذين الأمرين قد تلتبس عليه بعض الأمور، ويقع في الخطأ والخلط، فمما وقع فيه الخلط ما ورد في كتب علماء المسلمين القدامى حول استخدامات الأحجار الكريمة وفوائدها، فمن حيث الأمانة العلمية والدقة في النقل، فإن علماء المسلمين الذين توسعوا في حركة الترجمة للكتب اليونانية خاصة في العصر العباسي -وإن اختلطت حركة ترجمتهم ببعض السلبيات لكنها قليلة كسوء الترجمة، أو قيام قلة من النقلة أو النساخ ببعض الزيادات في النقل أو النسخ، فظهرت منهم بعض الأمور التي لا تستقيم عقلا ومنطقا-، وقد ترجم المسلمون كتب اليونانيين فذكروا ما فيها من أخطاء علمية كما هي تمشيًا مع الأمانة العلمية ودقة النقل، بغض النظر عن فحوى المنقول؛ صوابًا كان أو خطأ، كما هو متبع في النقل عن الرواة بالأسانيد في علم الحديث في السند والرواية، والعهدة على الراوي كما يقال.
ولكن المنهج التجريبي الذي استحدثه علماء المسلمين ميزهم بعد هذه الترجمة بالدقة والقدرة على الفحص لما ترجموه ونقلوه عن اليونانيين والفرس والهنود، وغيرهم، وبالتالي التمييز بين الغث والسمين فيه، ومن المعلوم أن علماء المسلمين انتقدوا وصححوا الكثير من المعلومات والمفاهيم الخاطئة التي كانت سائدة عند اليونانيين والفرس والهنود مما كانوا يرونه من الحقائق العلمية الثابتة، والتي ثبت عند المسلمين -وغيرهم من بعدهم- بعد إخضاعها للمنهج التجريبي أنها خطأ، بل من الخرافات والخزعبلات التي ظلت سائدة لقرون طويلة زورًا وبهتانًا.
وفي مجال الكلام عن الأحجار الكريمة ذكر بعض المسلمين القدامى خلال حركة الترجمة والنقل عن اليونانيين ما ورد في كتبهم مما يتعلق بفوائد مزعومة للأحجار الكريمة في مجال الطب والتداوي وغيره مما لم يصح علميًّا، لكن نقله هؤلاء العلماء من باب الدقة والأمانة العلمية في النقل، فظنه البعض خاصة من المستشرقين أن هذه الأخطاء هي من بنات أفكار هؤلاء المسلمين المترجمين فشنع عليهم بذلك، ولم ينتبه أن هذا كان في مراحل الترجمة والنقل، وأنه إنما هو نقل لما قاله اليونانيون القدامى لا غير، وهو ما قال علماء المسلمين بعدم صحته بعد ذلك بعد تطبيق منهجهم التجريبي عليه، وثبت عندهم خطأ قول اليونانيين القدامى به، فجاء في كتاب: (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) للقزويني نقل عن أرسطو في فوائد اللؤلؤ الطبية: (قال أرسطو: من خاصية الدر أي: اللؤلؤ أنه ينفع في الخفقان والخوف، ويصفي دم القلب جيدًا، ومن جعل الدر واللآلئ ماءً رجراجًا فإن طلى به البياض الذي في الجسد برصًا أو بهقًا أذهبه -بإذن الله تعالى-).
أما عن فوائد الياقوت: فنقل عن أرسطو: (قال أرسطو: مَن تختم بالياقوت لا يعلق ببدنه الطاعون وإن عم أهل البلد، ونبل في أعين الناس، وسهل عليه أمور المعاش)، أما عن المرجان فنقل عن أرسطو: (قال أرسطو: يدخل في معالجات العين، ويصلب الحدقة) (راجع مقال: الأحجار الكريمة في القرآن الكريم، مجلة الوعي الإسلامي الكويتية - عدد جمادى الآخرة 1443 هـ - يناير/ فبراير 2022، ص11 - 12) .
وهذه كلها أخطاء علمية، وهي وإن وردت في تراث العلماء العرب؛ إلا أنها من خلال حركة الترجمة والنقل، ونقلت إلى الكتب العربية تمشيا مع الأمانة العلمية في النقل، ونسبت إلى من قالها، بغض النظر عن كونها صوابًا أو خطأ، والتشنيع على علماء العرب بأنهم قالوا بهذه الأخطاء العلمية ليس في محله، فلا لوم عليهم لأمانتهم في الترجمة والنقل، بل هذه من محامدهم أن لديهم أمانة علمية، وعندهم توثيق لمن ينقلون عنه، وهذه منقبة افتقدها علماء الغرب وهم يسطون على الإنتاج العلمي لعلماء المسلمين الذي أخذوه عنهم، ولم يوثقوا مصادره، ولا ذكروا عمَّن أخذوه، بل نسبوه لأنفسهم زورًا وبهتانًا.
أما جهود علماء المسلمين في دراسة المعادن عامة والأحجار الكريمة خاصة من خلال المنهج العلمي التجريبي الذي أخذوا به قبل الغرب، وأخذه الغرب عنهم بعد ذلك، فجهود كبيرة وعظيمة، ومنها: أنهم توصلوا من خلالها إلى خطأ ما نقل عن أرسطو وغيره من حكماء اليونان في ذكر فوائد طبية للأحجار الكريمة، وردوه، وهو ما أكده ويؤكده العلم في العصر الحديث.
قال العلامة البيروني واصفًا الجواهر (الأحجار الكريمة) في كتابه: (الجماهر في معرفة الجواهر) نافيًا تمامًا أي: خواص طبية للأحجار الكريمة: (كلها لعب ولهو وزينة وتفاخر لا تنفع في شيء من أمراض البدن) (راجع المصدر السابق، ص 13) ، ولهذا رفض البيروني ما جاء في كتاب عطارد بن الحاسب الذي تأثر فيه بما ترجم ونقل عن حكماء اليونان في المنافع الطبية للأحجار الكريمة، حيث قال البيروني عنه في كتابه (الجماهر): (ولعطارد بن الحاسب كتاب سماه: (منافع الأحجار) أكثر فيه من هذا الباب؛ إلا أنه خلطه بمثل العزائم والرقى فاسترذل) (المصدر السابق، ص 13) .
وقد رفض علماء المسلمين كذلك العديد من آراء أرسطو الأخرى التي سادت في أوروبا لقرون، وقالوا بخلافها، ومن ذلك رفض الغالبية العظمى من علماء المسلمين نظرية أرسطو التي سادت في القرون الوسطى في أوروبا، والتي تعد أشهر خرافة من خرافات اليونان في العصور الوسطى، والتي تزعم إمكانية تحويل العناصر الخسيسة: كالحديد والنحاس، إلى عناصر نفيسة: كالذهب والفضة، وهو ما لم يثبته المنهج التجريبي حتى عصرنا الحالي (راجع في ذلك: تبرئة العقل العربي من خرافة تحويل المعادن، للجيولوجي الأستاذ مصطفى يعقوب - الجسرة الثقافية - العدد 10 - خريف 2001 م، ص 181 - 191) .
للاستزادة راجع:
- مقالة (الأحجار الكريمة في القرآن الكريم) للجيولوجي الأستاذ مصطفى يعقوب عبد رب النبي - مجلة الوعي الإسلامي - عدد جمادى الآخرة 1443 هـ - يناير/ فبراير 2022م.
