شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الأحجار الكريمة في القرآن الكريم

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ورد في آيات عديدة من القرآن الكريم ذكر للأحجار الكريمة؛ تارة بذكر امتنان الله -تعالى- على عباده باتخاذها حلية يتزين بها العباد لحسنها وجمالها، وتارة بتشبيه الحور العين في الجنة وتشبيه الغلمان المخلدون الذين يطوفون بأهل الجنة ويكونون في خدمتهم بهذه الأحجار الكريمة من شدة ما هم عليه من الحسن والبهاء.

والأحجار الكريمة وإن كانت من أقدم وأشهر المعادن التي عرفها الإنسان ولا تنفصل عنها، لكنها لم تستخدم إلا للزينة، كما ورد في آيات القرآن الكريم، وذلك لما عرف عنها من الجمال والحسن والبهاء، ولما فطر عليه الإنسان من حب الزينة وحب التجمل.

وقد استقلت الأحجار الكريمة بعلم خاص بها يعرف باسم: علم الأحجار الكريمة (جيمولوجي)، والذي يختص بدراسة تلك المعادن النادرة من حيث نشأتها، وكيفية الحصول عليها، وطرق تقييمها وتشكيلها، إلى جانب دراسة خصائصها الفيزيائية والكيميائية، ومِن هذه الأحجار الكريمة اللؤلؤ والماس والمرجان، والياقوت والمرجان، والزبرجد والكهرمان (العنبر).

علم الأحجار الكريمة:

علم الأحجار الكريمة يعد مصطلحًا حديثًا لا يعرف بدء ظهوره على وجه التحديد، وربما يكون بداية الإشارة إليه في المراجع التي تناولت علم المعادن (المينرالولجوي)، وهو بالطبع علم قديم قد تفرعت منه علوم أخرى منها علم الأحجار الكريمة، الذي عرفه الغرب في القرن التاسع عشر، بعد أن تقدم الغرب في العلوم المختلفة، لكن يمكن القول إن علم الأحجار الكريمة عرفه المسلمون قبل الغرب بكثير، فقد جاء في كتاب: (مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم) لطاش كبرى زاده (ت 968 هـ - 1561م): (علم الجواهر: وهو علم باحث عن كيفية الجوهر المعدنية البرية: كالألماس والياقوت الفيروزج، والبحرية: كالدر والمرجان وغير ذلك، ومعرفة جيدها من رديها بعلامات تختص بكل منها، ومعرفة خواص كل منها وغايته، وغرضه لا يخفى على إنسان، والتصانيف فيها كثيرة) (راجع: مقالة الأحجار الكريمة في القرآن الكريم، للجيولوجي الأستاذ مصطفى يعقوب عبد رب النبي - مجلة الوعي الإسلامي الكويتية - عدد جمادى الآخرة 1443 هـ - يناير/ فبراير 2002 م، ص 9) .

وقد تضمن هذا التعريف أول تصنيف للأحجار الكريمة على أساس علمي صحيح؛ إذ قسم الأحجار الكريمة على أساس طبيعة النشأة إلى قسمين: الأول: معادن طبيعية لا دخل لأي كائن حي في تكوينها، أي: تكونت بفعل العوامل الطبيعية، وتوجد في الصخور التي تحتوي عليها أو في الرواسب الناتجة من عمليات التعرية، وهذا القسم يضم أكثر الأحجار الكريمة المعروفة، مثل: الماس والياقوت، والزمرد والزبرجد. والثاني: معادن ترجع في نشأتها إلى تدخلٍ مِن الكائنات الحية، مثل: اللؤلؤ والمرجان والعنبر. ومازال هذا التصنيف هو عين التصنيف الحديث في مراجع الأحجار الكريمة العالمية باللغات المختلفة. وقبل ذلك فهناك العديد من الكتب عند العرب التي حملت في عناوينها كلمة (الجواهر)، مثل: (الجواهر وصفاتها) لابن مساويه (ت: 243 هـ)، و(الجماهر في معرفة الجواهر) للبيروني (ت: 440)، و(أزهار الأفكار في جواهر الأحجار) للتيفاشي (ت: 651 هـ)، و(خب الذخائر في أحوال الجواهر) لابن الأكفاني (ت: 749 هـ).

وفي هذا إشارة واضحة إلى فضل سبق العرب في معرفة هذا العلم علم الأحجار الكريمة (علم الجواهر)، والتي هي من العلوم المشتقة من علوم المعادن، باعتبار الأحجار الكريمة (الجواهر) طائفة مميزة من المعادن.

ذكر القرآن الكريم للأحجار الكريمة:

ذكرت الأحجار الكريمة في القرآن الكريم في مجال واحد فقط هو مجال الزينة والحسن والجمال، بالإشارة إلى اتخاذها حلية وزينة لجمالها وحسنها، وبتشبيه الحور العين في الجنة والولدان المخلدون فيها بها، لبيان شدة حسن وبهاء الحور العين، وشدة جمال الغلمان المخلدون في جنات عدن، وهذا هو الثابت علميًّا في حق هذه الأحجار حتى الآن، أنها تستخدم فقط في الزينة والتجمل وليس لها وظيفة أخرى حيوية غير ذلك.

- جاء ذكر اللؤلؤ ذكرًا منفردًا في أكثر من آية، منها: قول الله -تعالى- عن أهل الجنة في الجنة: ( ‌وَيَطُوفُ ‌عَلَيْهِمْ ‌غِلْمَانٌ ‌لَهُمْ ‌كَأَنَّهُمْ ‌لُؤْلُؤٌ ‌مَكْنُونٌ ) (الطور: 24) ، وقول الله -تعالى- عنهم: ( ‌وَيَطُوفُ ‌عَلَيْهِمْ ‌وِلْدَانٌ ‌مُخَلَّدُونَ ‌إِذَا ‌رَأَيْتَهُمْ ‌حَسِبْتَهُمْ ‌لُؤْلُؤًا ‌مَنْثُورًا ) (الإنسان: 19) ، ووظيفة هؤلاء الغلمان (الولدان) المخلدون في الجنة أنهم يخدمون أهل الجنة، يدورون عليهم بالأكواب والأباريق والكؤوس، والفاكهة ولحوم الطيور.

قال الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "( ‌إِذَا ‌رَأَيْتَهُمْ ‌حَسِبْتَهُمْ ‌لُؤْلُؤًا ‌مَنْثُورًا ) أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤًا منثورًا، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن".

فإذا كان هذا حال ووصف الخادم؛ فكيف يكون حال ووصف المخدوم؟!

وقال الله -تعالى- في وصف نعيم أهل الجنة: ( ‌وَحُورٌ ‌عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الواقعة: 22-24) .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره لتلك الآيات: "ولهم -يعني أهل الجنة- حور عين، والحوراء: التي في عينها كحل وملاحة، وحسن وبهاء. والعين: واسعات العين حسانها، وحسن العين في الأنثى من أعظم الدلالة على حسنها وجمالها. ( كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) أي: كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي، المستور عن الأعين والريح والشمس، الذي يكون لونه من أحسن الألوان، الذي لا عيب فيه بوجه من الوجوه، فكذلك الحور العين لا عيب فيهن بوجه من الوجوه، بل هن كاملات الأوصاف جميلات النعوت. فكل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما يسر القلب ويروق الناظر. وذلك النعيم المعد لهم ( جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )، فكما حسنت منهم الأعمال أحسن الله لهم الجزاء، ووفر لهم الفوز والنعيم".

الصفحة التالية