تأملات في مسألة القدس (2) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن قتل الأنبياء وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس لأجل أمرهم بالقسط وإيذاء عباد الله المؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؛ لهو من أسباب زوال الدول وتسليط العدو.
ولما زاد كفرهم وجاء وعد العقوبة على أُولى المرتين في الإفساد: ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا ) كان الفساد بالشرك، والمعاصي والذنوب، والبدع والضلالات؛ فسَلَّط الله عليهم بختنصر فقتل منهم خلقًا كثيرًا، بل أسر الجميع فيما تسميه بنو إسرائيل: "سبي بابل"، فلم يُترك أحدٌ على الإطلاق إلا سُبي وأُسِر حتى الأنبياء كذلك، ولم يعد هناك نسخة واحدة من التوراة، وسُبِيت كل نسائهم وأطفالهم وأُخذوا إلى بابل، وهُدِم المسجد الذي بناه إبراهيم أو إسحاق أو يعقوب -عليهم السلام-؛ فإن المسجد الأقصى بني بعد المسجد الحرام بأربعين عامًا، وهذا يتناسب أن يكون في آخر عهد إبراهيم أو في عهد إسحاق أو يعقوب، والله أعلم.
ودمَّروا المسجد تدميرًا، وهدموا المدينة بأسرها وأخلوها من سكانها، وسفكوا دماء مئات الألوف كما فعل التتار بالمسلمين لما وقع الفساد والبدع والشرك في المسلمين، فتسلَّط التتار وهم كفار عليهم مثلما تسلط بختنصر على بني إسرائيل، ثم بعد ذلك استمرت الدعوة إلى الله من خلال الأنبياء.
وبعد مئات السنين أراد الله أن ينقذ بني إسرائيل مرة أخرى، فكان الإنقاذ على يد طالوت وداود -عليه السلام-، قال -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ) (البقرة: 246) ، وخوَّفوهم من أن الكلام يكون سهلًا والعمل يكون صعبًا على الكثيرين، وما كان ذلك إلا ثمرة الدعوة، وقال -سبحانه وتعالى- في وصفِ ما جَرَى في عهد داود -عليه السلام- إلى أن هزموهم: ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ).
وبهذا نعلم أن الأخذ بالأسباب لابد منه، فلابد من المال والشباب والبنين الذين هم أبناء آبائهم، وليس الذين يسبون سلفهم، ولا الذين يسبون أوائلهم؛ لذلك لا يمكن أن يكون النصر لأمة الإسلام على يد مَن يسبون أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويطعنون فيهم، ومَن يفكر في هذا لا يعرف العقيدة الصحيحة، ولا يعرف سنة الله في خلقه حين يسعى لتمكين الرافضة والشيعة الضُّلَّال الذين ما دَخَلوا مكانًا من بلاد الإسلام إلا دمَّروه؛ بل لابد وأن يكونوا أبناء مَن سبق مِن الأمة.
( وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) يعني القوة العسكرية، وليس مَن يقاتلون دون ذلك، ويظنون أنهم بذلك يصنعون شيئًا بمجرد أن يقتلون رجلًا هنا، ورجلًا هناك! وموسى -عليه السلام- قد وَقَع منه مثل ذلك فعده من عمل الشيطان، فقد قَتَل رجلًا من الفراعنة كان يعتدي على رجل من بني إسرائيل ويتقاتل معه، ولكن كان في توقيت لم توجد إمكانية جنود أو أموال أو شباب، وكان موسى لا يقصد قتل هذا الفرعوني، بل كان يقصد دفعه، لكن كانت الدفعة قوية، ( فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ) (القصص: 15-17) .
وقال عن فعلته تلك بعد أن نبَّأه الله وأرسله: ( فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) (الشعراء: 20) ، لكن تأمل كيف قال موسى -عليه السلام- ذلك، مع أن الرجل المقتول كان حربيًّا كافرًا يعبد الأوثان، معتديًا ظالمًا، ومع ذلك عدَّ موسى -عليه السلام- قتله ظلمًا للنفس، وكان ضلالًا بالنسبة لموسى؛ لما علم من سنة الله بعد ذلك، ومن حكمته -سبحانه- التي عَلَّمه إياها بالوحي المنزَّل بعد ذلك.
فكيف بمَن يقتل المسلمين؟!
وكيف بمَن لا يراعي كلمة التوحيد والشهادة؟!
نعوذ بالله من هذه البدع المهلكة؛ فإن تكفيرَ المسلمين بغير بينة ودليل، واستباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم؛ لهو أعظم خطرًا من قتل النفوس؛ لأنه يأخذ الذنب بمجرد التكفير حتى ولو لم يقتل أحدًا كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ ) (رواه البخاري) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ) (رواه مسلم) ، ولو كان على سبيل السباب؛ فكيف إذا كان بسبب الاعتقاد؟! نعوذ بالله من ذلك.
أترون مثل هؤلاء يمكن أن يمكَّن لهم؟! ولو مَكَّن لهم فهو من ابتلاء الله -عز وجل- لعباده بما كسبت أيديهم؛ لذا كان الخوارج كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ ) (متفق عليه) ، ولا تغتر بما يتلون من كتاب الله ويظهرون العبادة والالتزام بالدِّين، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ) (متفق عليه) .
نعوذ بالله من حالهم ومن صفاتهم، والله -سبحانه وتعالى- أمرنا بالأخذ بالأسباب؛ فلا تقاتل عدوك وأنت لا تملك أسباب القتال، ومِن أين لنا؟!
