شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مفاهيم إسلامية لها مردود اقتصادي كبير

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن خصائص الأحكام الإسلامية أنها صالحة لكل زمان ومكان، وأنها تراعي الواقعية من جهة، وتفتح الباب لمن أراد العلو إلى المثالية، وهي قبل ذلك وبعده فيها مرضاة لله -تعالى-، وهناك من أحكام الشريعة أحكام تتعلق بالجوانب الاقتصادية في الأمة في الأخذ بها وتطبيقها كل الخير للفرد والأسرة والمجتمع.

ومعلوم أن قوة الأمة في زماننا في قوة اقتصادها التي تعزز من مكانتها بين الأمم، ولقد رأينا أممًا خرجت من الحرب العالمية الثانية مهزومة شر هزيمة، ثم لما استعادت قوتها الاقتصادية عادت لتتبوأ اليوم مكانة عالية بين الأمم من جديد.

إن الاقتصاد القوي يحافظ على حرية الأمة، واستقلال قرارها، ويمكِّنها من إعداد القوة العسكرية اللازمة لحماية وجودها وأمنها، ورد أي عدوان خارجي عليها، ومعلوم أن إعداد الدول للجيوش وتجهيزها برًّا وبحرًا وجوًّا يكلف تكلفة باهظة لا يتحملها إلا اقتصاد قوي متين؛ هذا إلى جانب الإنفاق المطلوب في مجالات الدولة الأخرى الحيوية من صحة وتعليم ونقل وخلافه، ولا يتسنى ذلك الإعداد الجيد إلا باقتصادٍ جيدٍ، وكم من أمم لها تطلعاتها وطموحاتها، لكنها عاجزة عن تحقيقها لضعف اقتصادها.

ومدار قوة الاقتصاد على زيادة إيرادات وموارد الدولة من جهة، وترشيد النفقات والمصروفات من جهة، وبالتالي يتحقق للدولة فائض يمكن توجيهه بما يقوي بنيان الأمة ويعلي كيانها ويحميه، وفي ما نراه من تأخر مجتمعاتنا يجعل من الواجب تحفيز الهمم للعمل والبناء، والبذل والعطاء، والأخذ بالمفاهيم التي جاء بها دين الإسلام ولها مردودها الكبير على اقتصاد الأمة -كما سنرى-، وهو دور علماء الأمة ودعاتها لنشر هذه المفاهيم والعمل بها، وهي كفيلة إن شاء الله -تعالى- بأن تؤتي أكلها بزيادة موارد الأمة ومكتسباتها، وتقليل نفقاتها وما يهدر من أموالها.

ومن أهم هذه المفاهيم الإسلامية الواجب على الأمة الأخذ بها والعمل بمقتضاها:

1- الأخذ بنظرة الشريعة الإسلامية للمال:

فالمال في الإسلام مال الله -تعالى-؛ استخلف عليه الإنسان ليقضي به احتياجاته المشروعة دون إسراف أو تبذير، وعليه استخدامه في إعمار الأرض، وعليه تنميته دون إضرار بالآخرين، فالمال في الإسلام هو وسيلة لا غاية، والحياة الدنيا في الإسلام معبر للآخرة، وقد أمر الله -تعالى- الإنسان فيها بالسعي فيها باطمئنان؛ إذ مقادير الأمور بيد الله -تعالى- وحده، وهو ينفق ما اكتسبه فيما يحبه الله -تعالى- ويرضاه.

فالمعيشة الحق مبنية على القصد وعدم الإسراف، فيأخذ المسلم من الدنيا قدر كفايته، وينفق ماله فيما يعود عليه بالنفع، قال -تعالى-: ( ‌وَأَنْفِقُوا ‌مِمَّا ‌جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ) (الحديد: 7) ، وقال -تعالى-: ( ‌وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأعراف: 31) .

والإسلام يربط دائما بين الإيمان وبين زيادة الرزق، وبين حصول البركة والاستغفار، قال -تعالى-: ( ‌وَمَنْ ‌يَتَّقِ ‌اللَّهَ ‌يَجْعَلْ ‌لَهُ ‌مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) (الطلاق: 3) ، وقال -تعالى-: ( ‌وَأَنِ ‌اسْتَغْفِرُوا ‌رَبَّكُمْ ‌ثُمَّ ‌تُوبُوا ‌إِلَيْهِ ‌يُمَتِّعْكُمْ ‌مَتَاعًا ‌حَسَنًا ‌إِلَى ‌أَجَلٍ ‌مُسَمًّى ‌وَيُؤْتِ ‌كُلَّ ‌ذِي ‌فَضْلٍ ‌فَضْلَهُ ) (هود: 3) . وقال -تعالى- على لسان نوح -عليه السلام-: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ ‌كَانَ ‌غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ) (نوح: 10- 12) .

2- تحريم التعامل بالربا:

فالإسلام يحرم الربا تحريمًا باتًّا، ويعده من كبائر الذنوب، ويشن على المرابين حربًا لا هوادة فيها، ويتوعدهم في الآخرة بالعذاب الأليم، فالمرابي في الإسلام في حرب مع الله -تعالى-؛ قال -تعالى-: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ‌مَا ‌بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ) (البقرة: 278-279) ، فالربا في الإسلام ظلم يكدس به الأموال والثروات في أيدي فئة من الناس على حساب الآخرين وجهدهم وعرقهم؛ لذا فالربا ممحوق البركة، قال -تعالى-: ( ‌يَمْحَقُ ‌اللَّهُ ‌الرِّبَا ‌وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) (البقرة: 276) . وفي الحديث المرفوع: ( ‌الرِّبَا ‌وَإِنْ ‌كَثُرَ ‌فَإِنَّ ‌عَاقِبَتَهُ ‌إِلَى ‌قُلٍّ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) . وللأسف فقد فشا الربا في بلادنا، وصار اقتصاد دولنا قائمًا على التعامل عليه، وهو من أعظم المنكرات التي يجب على المسلمين تركها ونبذها غاية النبذ.

3- الذنوب سبب للحرمان من الخيرات:

فالذنوب تجر إلى جانب العقوبات الأخروية والدنيوية، ويكفي أن القرآن الكريم قد ذكر لنا أن هزيمة المسلمين يوم غزوة أُحُد -وهو من أشد الأمور على نفوس المسلمين قسوة- إنما كانت بمخالفة الرماة لأوامر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان هذا الذنب سبب تحول تفوق المسلمين أول المعركة إلى هزيمة قاسية في آخرها، ولما سأل البعض: أنَّى هذا؟ كان الجواب: ( ‌قُلْ ‌هُوَ ‌مِنْ ‌عِنْدِ ‌أَنْفُسِكُمْ ) (آل عمران: 165) ، فالعبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه؛ خاصة إذا استوجب العبد بذنوبه غضب الله -تعالى- عليه، ومقته عليه.

4- وجوب السعي للرزق والأخذ بالأسباب في ذلك:

الصفحة التالية