مفاهيم إسلامية لها مردود اقتصادي كبير
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
فالعمل والتكسب وترك البطالة والتواكل مأمور به شرعًا، قال -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (الملك: 15) ، وقال -تعالى-: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) (الجمعة: 10) .
لقد خلق الله -تعالى- الأرض وأودع فيها أقواتها، وجعل فيها معايش للخلق جميعًا، وسخَّر لهم كل ما عليها وفيها ثم دعاهم أن يعمروها، قال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ) (الأعراف: 10) ، وقال -تعالى- على لسان صالح -عليه السلام- لقومه: ( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (هود: 61) ، فليس لقادر على الكسب أن يترك فرصة عمل أمامه حتى وإن كان العمل فيها شاقًّا أو كان العمل عملًا لا يأبه الناس بصاحبه، فهو خير له وأولى من البطالة أو أن يعوله أخرون، وفي الحديث المرفوع: ( لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ) (رواه البخاري) .
فإن كان الفرد مسئولًا أيضًا عن أسرة أو أفراد آخرين كان العمل في حقه أوجب، وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول، وفي الحديث المرفوع: ( لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ ) (رواه مسلم) ، فكل مَن ينتفع بزرعه -أو عمله- غيره كان له بزرعه -أو عمله- أجر عند الله -تعالى-، فالعمل وإن كان وسيلة الفرد للكسب؛ إلا إنه قبل ذلك وبعده باب للأجر والثواب، ولا شك أن حرص المرء على أن يكون له عمل يتكسب منه مهما كان يقلل من البطالة، ويخفف الأعباء على الأمة والمجتمع.
5- إخراج الزكاة للفقراء والمحتاجين:
كما هو معلوم فإن الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وهي عبادة مالية يقدمها مَن زاد كسبه خلال عام كامل عن النصاب فصار به من الأغنياء الذين يجب عليهم تقديم جزء يسير حدده الشرع مما زاد عن احتياجاته للفقراء كل عام لمن يحتاج المال لفاقة ألمت به أو عجز عن العمل والتكسب. والزكاة مورد ضخم وعلاج فعَّال لمشكلة الفقر في المجتمع، وتخفيف للأعباء الملقاة على عاتق الأمة تجاه الفقراء في المجتمع، وتتضمن الزكاة أنواعًا عديدة، منها: زكاة المال، زكاة الحيوان، زكاة الزروع، زكاة الركاز، وزكاة الفطر.
وهذا باب فيه حث لمن أغناهم الله -تعالى- من فضله بالبذل والعطاء للمحتاجين، والزكاة في الإسلام حق للفقير في مال الغني بمقتضى الأخوة الإيمانية بينهما، فليست هي تبرع يقدمه الغني، والزكاة قدر معلوم لا يرهق الغني، لكنه يسد حاجة للفقير، قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ . لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) (المعارج: 24-25) ، وللأسف فهي فريضة منسية لدى كثير من الأغنياء والموسرين، ولا ينتظر للأمة قوام وقيام إن أهملت أمر الزكاة فضاع فيها حق الفقير والمسكين، قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) (الحج: 41) ؛ هذا إلى جانب العقوبة المنتظرة يوم القيامة، قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) (التوبة: 34-35) ، وللدولة حق جمع الزكاة وتولي توزيعها على الفقراء والمساكين، فتضمن بذلك تحصيلها من الأغنياء كاملة ثم صرفها في مصارفها التي أمر الله -تعالى- بها.
6- الحقوق المالية غير الزكاة:
وهذا باب تكلَّم فيه الفقهاء قديمًا وحديثًا لمعالجة حاجات تطرأ، ولم تكفِ موارد البلاد والزكاة لسدها، فعندها وبضوابط معينة يضاف على الغني وجوبًا أو استحبابًا إنفاق زائد على حدِّ الزكاة المفروضة، كما في الإنفاق على ذوي الأرحام وعلى الجيران المحتاجين، فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: أوصاني خليلي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ ) (رواه مسلم) ، وفي الحديث المرفوع: ( مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ )، والحديث المرفوع: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ) (متفق عليهما) . وفي الحديث المرفوع: ( مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .
