في غزة... إني أرى الحضارة الغربية عارية!
غريب أبو الحسن • قضايا معاصرة
لم تحرك تلك المشاهد الحكومات الغربية، بل وكأنهم لا يرون شيئًا، هم فقط يرون ما حدث يوم 7 أكتوبر حين أهينت الكرامة الصهيونية، ومنذ ذلك اليوم لا يرون شيئًا، بل هم في الحقيقة يروجون للرواية الصهيونية التي تتحدث عن قتل المقاومة الفلسطينية للأطفال وقطع رؤوسهم، ولكل تلك الفبركات الصهيونية التي روجوها دون أي إثبات.
- عرّت أحداث غزة الحضارة الغربية أمام المخدوعين بها الذين صدقوا أنها الحضارة التي تجعل حقوق الإنسان على رأس أولوياتها، وحقيقة الأمر: أن حقوق الإنسان لا تشغل بال الحضارة الغربية في شيء، فمنذ القِدَم وعلاقات الدول الأوربية ببعضها هي علاقة الحروب والإغارة والاستيلاء على الأراضي والقهر، فقد ظلت الدول الأوروبية تعاني من الاحتراب عبر كل تاريخها تنتقل من الحروب النابليونية إلى الحرب العالمية الأولى إلى الحرب العالمية الثانية، حروب قاسية يقتل فيها الملايين من أجل مصالح حفنة من الملوك والحكام، ويا للعجب يقف من خلف أولئك الملوك تجار اليهود الذين كانوا دائمًا يمولون طرفي الحروب في أوروبا.
- وعندما تهدأ الحروب في أوروبا كانوا يتنافسون على احتلال الدول حول العالم ونهب خيراتها، والاستيلاء على ثرواتها، وتحطيم شعوبها، بل واستعباد تلك الشعوب؛ فلم يتركوا للشعوب أرضهم ولا ثرواتهم، ولا حتى حريتهم، كما قامت أمريكا بإبادة شعب الهنود الحمر، وقامت كندا بإبادة السكان الأصليين وقامت أستراليا بذلك أيضًا، والإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس قامت على غياب حضارات، وقفول دول وممالك؛ هل تعلم: أن بريطانيا العظمى قادت حملتين كبيرتين عرفتا بحرب الأفيون الأولى والثانية؛ لأن الإمبراطور الصيني رفض دخول الأفيون مع التجار البريطانيين إلى الصين، لما كان له من الأثر السلبي على الشعب الصيني، فقادت بريطانيا الحروب من أجل أن يسمح ببيع الأفيون لشعبه!
- ألقت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلتين نوويتين على هيروشيما ونجازاكي، فمحت تلك المدينتين من الوجود في ثوانٍ معدودةٍ، ودأبت الولايات المتحدة على تسعير الحروب حول العالم، ففي الحرب الكورية وحدها قُتِل ما لا يقل عن أربعة ملايين نسمة، والحديث يطول في هذا الشأن.
- حتى عندما حملت الولايات المتحدة حقيبتها وراحت تنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، وحلت بدولة العراق، لم تلبث إلا قليلًا وخرجت لنا مشاهد مروعة من "سجن أبو غريب" للجنود الأمريكان وهم يقومون بأبشع أنواع التعذيب وسط جو من المرح، بل وتصوير أنفسهم وهم يقومون بتلك الأفعال البشعة التي لا يقوم بها إلا حثالة البشر، فتخيل الأفعال الشنيعة الأخرى التي قاموا بها ولم تصورها الكاميرات!
- ما يحدث في غزة هو امتداد طبيعي لما قامت به الحضارة الغربية في كل مكان حلت به، وما تقوم به الحضارة الغربية من دعم الهجمات الصهيونية المجرمة على الشعب الفلسطيني هو يتوافق مع تاريخ مظلم لهم، احتلوا فيه الدول وأحرقوا فيه الأرض، ونهبوا فيه الخيرات، وساموا الناس سوء العذاب.
- ما يحدث الآن في غزة هو برهان عملي للمسلمين والعرب والشعوب المستضعفة ألا تثق في الحضارة الغربية، ولا في المتأثرين بها، وألا ينتظروا من الدول الغربية لا عدلًا ولا إنصافًا، فالدول الغربية لا ترى لأحد حقوقا إلا حقوق شعوبها، وأما حقوقنا فلا ترد إلا بالمقاومة والإعداد والتضحية، وانتزاع الحق من بين أنياب الاحتلال وإجباره على الرحيل يجر أذيال الخيبة والخسارة.
- ما يحدث في غزة إذا كان يفضح الحضارة الغربية فهو أشد فضحًا لمندوبي الحضارة الغربية في بلادنا، والذين تشربوا تلك الحضارة المادية البغيضة، والذين يمولون من تلك الدول، والذين لا يتوقفون عن الهجوم على حضارتنا وقيمنا وديننا ومعتقداتنا وتراثنا، وإعلامنا ورموزنا، وعلى شريعتنا الغراء وعلى تاريخنا الناصع، ويحاولون بكل السبل أن يشوهوا هذا التاريخ، تتبع هؤلاء المستأجرين لن تسمع لهم حسًّا، سيتوارون عن الأنظار وكأنهم أغراب عنا وعن قضيتنا وقضية كل مسلم وعربي صادق، لن تسمع منهم إدانة لإجرام الصهاينة، ولن تسمع منهم إدانة لموقف الدول الغربية الداعم للإجرام الصهيوني، ولو سمعت إدانة منهم على استحياء لا بد أن يقدمها بتوجيه الاتهامات للمقاومة حتى لا يفقد الرضا الغربي، ولا الدعم الغربي ولا المال الغربي.
- ستسمع سفراء الحضارة الغربية يحدثوك إن تم استضافتهم في البرامج يقولون لك: إن الحرب مع اليهود ليست دينية، إنه ينبغي أن نتعامل مع اليهود على أنهم أمر واقع لا مفر له، سينزعجون جدًّا إن حدثتهم عن موقف الغرب الداعم لإسرائيل، سيهربون من تخطئة الغرب إلى تخطئة المتطرفين من الجانبين، ستجدهم يساوون بين الضحية والقاتل، يساوون بين صاحب الأرض وبين المحتل الغاصب، وبعضهم تعدى إجرامه كل الحدود كما فعلت تلك الناشطة التي صرحت أنها ترى في إسرائيل دولة صديقة، وأن بيننا سلام ممتد لأكثر من أربعين سنة، وأنها ستبقى عمرها تحارب التطرف الإسلامي، وغيرها من التصريحات التي يندى لها جبين البشرية، ولكن لا غرابة على من تحلل من قيمه، وخلع ثوبه وارتدى ثوب الحضارة الغربية الزائف، فكان نصيبه أنه ظهر عاريًا أمام أبناء شعبه فلم يجد له ملجأً إلا الفرار حيث أعداء أمته وقتلة شعبه!
- إن ما يحدث في غزة برغم ما به من ألمٍ لما يصيب بعضًا من جسدنا المسلم، ورغم أن جسدنا يئن له ويتألم له أعظم الألم؛ إلا أن من وراء ذلك من الخير ما الله به عليم، فاستفاقة شرائح كبيرة من أبناء شعبنا عن وهم مرجعية الحضارة الغربية المادية البائسة، ومعرفة هذه الشرائح غايات تلك الحضارة من الاستيلاء على خيرات الشعوب، شعارهم القديم: "بالجنود احصل على الذهب، وبالذهب احصل على المزيد من الجنود!"؛ ذلك الشعار الذي استولوا به على مقدرات الشعوب.
