في غزة... إني أرى الحضارة الغربية عارية!
غريب أبو الحسن • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
- فتقول بعض الحكايات: إن رجلًا ماكرًا خدع أحد الملوك أنه سيصنع له ثوبًا سحريًّا مبهرًا، لا يراه إلا الحكماء، وبعد فترة جاء ذلك المخادع للملك وهو يدعي أنه يحمل بين يديه ثوبًا لم ترَ العين مثله، ومن روعته لا يبصره إلا أصحاب الألباب والعقول، فصدقه الملك حتى إنه صار لا يرتدي شيئًا وهو متوهم أنه يرتدي أجمل الثياب، وحتى إن حاشية الملك ووزرائه انساقوا خلف ذلك المخادع إما طمعًا في عطاياه أو خوفًا من أن يوصفوا بأنهم غير حكماء، خرج الملك عاريًا وهو يظن أنه يرتدي ذلك الثوب السحري العجيب ليقابل جموع الشعب والكل يظهر الانبهار بذلك الثوب السحري الجميل، ليخرج من بين الجموع صوت طفل صغير عاليًا ليعكر عليهم أجواء الاحتفال صاح الطفل: "إني أرى الملك عريانًا!"، حاولوا إسكاته دون جدوى وهو يردد ويقول: "إني أرى الملك عريانًا!".
- فإني في أحداث غزة "أرى الحضارة الغربية عارية"؛ فقد عَرَّت أحداث غزة وكشفت عن الحضارة الغربية ثياب الزيف التي ترتديها، ولم تترك لها حتى ورقة التوت التي تداري بها سوأتها، فما إن استفاق العالم في صبيحة يوم السبت السابع من أكتوبر 2023 على وقع هجوم المقاومة الفلسطينية على الكيان المحتل وتكبيده خسائر فادحة في صفوف جنوده ومعداته وسمعته المدعاة حتى تسابقت الدول الغربية لإظهار الدعم المطلق لانتقام إسرائيل، وذرف الدموع على مَن قُتِل من الجنود المحتلين والهرولة نحو زيارة الكيان الصهيوني لإظهار كل أنواع الدعم.
- بادرت أمريكا بإرسال أسطولها البحري وحاملة طائراتها الأحدث وآلاف من جنود المارينز، ثم أقامت جسرًا جويًّا متصلًا ومستمرًا يحمل آلاف الأطنان من القنابل والذخائر التي صبها الكيان الصهيوني على رأس أصحاب الأرض المحاصرين في غزة.
- تعالت صيحات قادة الدول الغربية في سباق محموم حول أهمية القضاء على المقاومة الفلسطينية، ووصمها بالإرهاب والوحشية، دون أدنى اعتبار لحق الشعوب المحتلة في مقاومة ومحاربة قوى الاحتلال والإجرام
- ثم شن جيش الإجرام الصهيوني حملة شعواء من القصف على كل أنحاء غزة؛ تلك البقعة الصغيرة من الأرض، والتي لا تتجاوز 6% من مساحة فلسطين المحتلة، والتي هي على أقصى تقدير أربعين كيلومترًا طولًا في متوسط ستة كيلومترات عرضًا، والتي تعد من أكثر الأماكن ازدحامًا في العالم، قصفت إسرائيل كل شيء؛ البنية التحتية، المدارس الجامعات، المساجد، المخابز، المنازل، هدمت البيوت على رأس ساكنيها!
نقلت الكاميرات مشاهد هي أبشع مِن حروب النازية وإجرام التتار؛ حتى إنها تجرأت وهدمت مستشفى المعمداني على مَن فيه مِن طواقم طبية ومرضى، وعلى رأس مَن فر إليه من المدنيين ممَّن ظن أن الإجرام الصهيوني لن يتجرأ على استهداف المستشفيات، ولكن مَن يعلم نظرة اليهود للعالم مِن حولهم يدرك أن اليهود ينظرون للعالم حولهم على أنهم مجموعة من الحيوانات! فقد وصف الكيان الصهيوني المقاومة الفلسطينية صراحة أنها مجموعة من الحيوانات البشرية، حتى يمهد للعالم ما سيفعله من قصف وتدمير لغزة.
وحقيقة الأمر: أن اليهود ينظرون للعالم كله من حولهم من غير اليهود على أنهم مجموعة من الحيوانات ليس لها حقوق كما ذكر الله -تعالى- قولهم: ( لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) (آل عمران: 75) ، فقوم يقتلونهم كما تقتل الحيوانات، وقوم تسوقهم إسرائيل كما تساق البهائم كما تفعل مع شعوب الدول الغربية فيتحكمون في اقتصادهم وإعلامهم، وسياستهم وقادتهم تحكمًّا تامًّا، فالحكومات الغربية مستسلمة للوبي الصهيوني ببلادها، ولا زال التاجر اليهودي المرابي له اليد الطولى في رسم السياسة الغربية.
- العجيب أنه بعد أن قصفت إسرائيل مستشفى المعمداني في واقعة ستظل وصمة عار في جبين العالم الحر -زعموا!-؛ خرج علينا "تائه" أمريكا ليقول: إنه يعلم أن إسرائيل لم تفعل ذلك، وإن مَن قام بقصف المشفى هي المقاومة الفلسطينية! حتى يعطي الكيان الصهيوني الغطاء للاستمرار في قصف المدنيين، وتدمير مظاهر الحياة في غزة؛ ليرحل عنها أهلها، ولن تستطيع -بإن الله-.
- رأيت الحضارة الغربية عارية عندما سمعت مسؤول السياسة الخارجية الأوروبية ومذيع الجزيرة يسأله: هل ما قامت به إسرائيل في غزة من قتل الآلاف من المدنيين وتدمير البنية التحتية، وكل مظاهر الحياة... قال: أنا لست محاميًا، الموضوع يعود للمحكمة الدولية! وبعدها مباشرة سأله: هل ما قامت به حماس يوم 7/10 يعد جرائم حرب؟ رد مباشرة: نعم! ولم يقل له: لستُ محاميًا!
- كشفت أحداث غزة زيف الحضارة الغربية وزيف شعارات حقوق الإنسان التي اتخذتها ذريعة للتدخل في شئون الدول الأخرى، فكم من دولة تم القضاء على سلطتها واحتلالها بذريعة حقوق الإنسان وحماية الأقليات، أو بذريعة نشر الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والحرب على الدكتاتورية!
وكم من دولة تم حصارها وتجميد أصولها وفرض العقوبات عليها تحت ذريعة حقوق الإنسان، بل ربما أقامت الدول الغربية الدنيا من أجل ناشط أو حقوقي أو من أجل السماح بحرية الشواذ والمنحرفين أو من أجل التضامن مع من سب ودنس مقدسات الدول تحت زعم حرية الفكر، وبالأمس القريب رفض أحد لاعبي كرة القدم ارتداء شعار الشواذ في أحد المباريات؛ فتم عقابه واستبعاده وأعطيت له الدروس الأخلاقية: أنه لا يراعي حقوق الإنسان، بل سخرت المنصات العالمية نفسها من أجل نشر الشذوذ وتجميل صورة الشواذ، فأصبح الشواذ هم أبطال الأفلام والمسلسلات، بل وأفلام الكرتون التي تخاطب الأطفال، بل وأبطال ألعاب الفيديو جيم! طوفان من الدعم ومحاولات مستميتة من أجل فرض تلك الانحرافات على العالم!
- ولما قامت إسرائيل حتى كتابة هذه الكلمات بقتل ما يقرب من 12300 إنسان مدني منهم على الأقل 5000 طفل، لا نقول: إنها حبستهم أو جوعتهم، بل قتلتهم، وليس أي قتلة، بل قصفتهم، والعديد منهم لم تعلم ملامحه، بل جمع جسده قطعة قطعة، وكل ذلك على مرأى ومسمع من العالَم!
