شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

لماذا ندعو إلى ترك التطبيع؟ (2)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستكمل في هذا المقال بيان أسباب دعوتنا إلى ترك التطبيع.

4- التأكيد على رفض التطبيع بأشكال:

فقد حدث الأسبوع الماضي جملة أحداث مرَّت علينا في صخب الحياة المستمر كأنها صامتة، مع أنها

مؤلمة شديدة الألم، خصوصًا مع الشعور بالعجز عن معالجة آلامها، ربما إلا بالنسيان.

الرابع: إعلان إسرائيل عن بناء المئات مِن المساكن في المستوطنات الإسرائيلية في الأرض العربية المحتلة، في تكريس لواقع الغطرسة والجبروت الذي لا يعبأ بما يقال عن محاولات السلام ونسيان الحروب، والذي لا يمكن أن يتحقق في الحقيقة؛ لأن السنن الكونية في بقاء نفسية العداوة في قلوب اليهود لأهل الإسلام لن تتوقف: ( ‌لَتَجِدَنَّ ‌أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) (المائدة: 82) ، فمن يخبرنا عن حقيقة ما في نفوسهم مِن بعد الله؟!

فعجبًا لمن يظن إمكانية زوال ذلك، أو يأمل في التطبيع معهم، ولا يزال الصد الشعبي الهائل في نفوس المسلمين والعرب تَجاه التطبيع قائمًا لن تخترقه زيارات ولا مقابلات، فرفض الشعوب لهذه الممارسات سيظل مانعًا ما يريدون، مهما ظلت موازين القوى في صالحهم، ولكن إلى حين.

5- التصدي لعملية التهويد (مؤتمر تهويد المسجد الأقصى بين الانقسام الفلسطيني والربيع العربي): إن ثورات الربيع العربي لا يمكن أن تشغل عن قضية القدس والمسجد الأقصى المبارك، ومواجهة المخططات الإسرائيلية، وعودة القدس لن تكون بالشعارات، لكن بعودة الشخصية المسلمة القوية، وقد ضاعت القدس عندما ضاعت الشريعة وتفرقت الأمة، وبوحدتها سيعود المسجد الأقصى، وتتحرر الأرض المحتلة، وفكرة فصل الدين عن الدولة مرفوضة تمامًا؛ فهي بدعة علمانية، والإسلام شامل لكافة مناحي الحياة.

6- إعانة المسلمين (فتوى حول بناء الجدار الفولاذي بين مصر وغزة سنة 2009م):

السؤال: ما رأيكم فيما تفعله مصر من بناء جدار فولاذي على حدودها مع غزة؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال -تعالى-: ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (الأنفال:72) ، وقال -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (التوبة:71) ، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خِشَاشِ الأَرْضِ ) (متفق عليه) ، فإلى الله المشتكى، ونسأل الله العافية.

لا يجوز إجاعة المسلمين، ولا منعهم من حقهم في الدفاع عن أنفسهم، بل الواجب عليهم أن يعينوهم بكل ما يقدرون عليه من سلاح وطعام ووقود وعلاج وأطباء وغير ذلك، لا أن يُساهموا في الحصار الذي يفرضه العالم -اليهود وأعوانهم- عليهم.

ثانيًا: موقفنا من التطبيع:

1- مسألة التقارب الإسلامي المسيحي اليهودي:

التقارب بين الأديان الذي يقصد به تمييع القضايا ومساواة الملل، وزمالة الأديان، والمودة والمحبة والصداقة بين أتباعها؛ بزعم وجود قواسم مشتركة، هو من الرضا بالكفر وإقراره، والرضا بالكفر

كفر، أما الجائز شرعًا فهو الهدنة والعهد والذمة بالشروط الشرعية، فهذا هو السلام الجائز مع الكفار، أما أن نقر بأحقيتهم في أرض المسلمين، خاصة فلسطين، وخاصة القدس؛ فأي مسلم يملك أن يقول لهم لكم ذلك الحق؟!

ولكن قد ينظر في مسألة أن تكون القدس تحت مظلة دولية: هل هو أهون شرًّا من بقائها في يد اليهود إن عجز المسلمون عن أخذها مؤقتًا، دون أن يقروا بأن الحق فيها لغير المسلمين؟

2- التطبيع الديني تحت شعار: (الديانة الإبراهيمية وأهدافه):

"هذا المصطلح الذي ظهر في زمننا: (الدين الإبراهيمي)، وما تفرع عنه، مثل: "الولايات الإبراهيمية المتحدة"، متزامنًا ظهوره مع حملات التطبيع مع اليهود وكيانهم الصهيوني، والتي رتبت لها إدارة الرئيس الأمريكي - الخاسر في الانتخابات الأخيرة - "ترامب" بقيادة زوج ابنته - اليهودي - كوشنر والذي صار له وجود متكرر في منطقتنا العربية الإسلامية؛ لتغيير بوصلة العداوة الإستراتيجية مع إسرائيل إلى وجهات عديدة داخلية بين دول المنطقة، وصراعات عديدة داخل كل دولة تقتتل فيها الشعوب والدول؛ إضافة إلى الخطر المدعم والمصنوع للشيعة ودولتهم الحديثة إيران، التي تهدف إلى نشر الدين الشيعي في دول المنطقة وغيرها. وكان هذا المصطلح -ولا يزال- هادفًا إلى نسيان الهوية الإسلامية للشعوب والدول، بل وفقدان حقيقة ملة إبراهيم -عليه السلام-؛ رغم أن هذه الملة هي التي بعث بها كل الأنبياء... وإن من أعجب ما يتعجب منه المرء أن يُستعمل هذا الاصطلاح حاليًا عند من أنشأه في ضد المعنى الأساسي الأكبر الذي قامت عليه ملة إبراهيم، وهو التوحيد، وعبادة الله

وحده لا شريك له، والبراءة من كل ما يُعبد من دونه، قال الله -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةٌ فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الزخرف: 26-28) .

والقوم إنما يريدون استعماله في اختراع دين جديد، يزعمون فيه تساوي الأديان على تناقضها واختلافها بزعم اجتماعها في تعظيم شخص إبراهيم -عليه السلام-، وهذا يقتضي الجمع بين المتناقضين: بين عبادة الله، وعبادة غيره، وتصحيح هذين المتناقضين، وكذا يقتضي الجمع بين الإيمان برسالة عيسى ومحمد -صلى الله عليهما وسلم- وبين تكذيبهما، وتصحيح هذين النقيضين.

وفي شأن عيسى -صلى الله عليه وسلم- الجمع بين اعتقاد نبوته وبين اعتقاد ألوهيته وبنوته الله، وبين اعتقاد أنه ابن زنا -والعياذ بالله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا!، سبحانك هذا بهتان عظيم-.

وقد جعل الله -عز وجل- اتهام مريم بالفاحشة كفرًا، فقال -تعالى- عن بني إسرائيل: ( وَبِكُفْرِهِم وَقَولِهِم عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ) (النساء: 156) ؛ فهذا الدين الجديد يقتضي تصحيح كل هذه المتناقضات!

الصفحة التالية