الصراع الدولي من أجل الهيمنة البحرية (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
سعى الحزب الشيوعي في الصين بشكل تدريجي في تعزيز القدرات البحرية للصين، وتطورت إستراتيجية الصين البحرية من الاهتمام بتعزيز قدرات خفر السواحل في نهاية السبعينيات من القرن العشرين، وتنمية القدرات الدفاعية في البحار القريبة، وتشمل البحر الأصفر وبحر الصين الشرقي، وبحر الصين الجنوبي، إلى الانتقال إلى تنفيذ مهام في البحار البعيدة بما فيها خارج حدود القارة الآسيوية.
ويرجع اهتمام بكين الكبير بتعزيز قوتها البحرية لعوامل، منها:
- إدراك القادة الصينيين أن من أسباب هزائم الصين التاريخية التي عانتها خاصة أمام اليابان ضعف القوة البحرية، وبالتالي كان لا بد من الاهتمام بتعزيز القوة البحرية الصينية للحفاظ على أمن الصين.
- تأهب الصين لأي صراع عسكري مع تايوان، حيث تنظر الصين إلى تايوان على أنها مقاطعة منشقة عنها، وترى بكين أن الوحدة مع تايوان ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الصينية؛ لذا تري بكين أن تعزيز قوتها البحرية يمكنها من تحقيق هذا الهدف ولو بالقوة إذا اقتضى الأمر؛ خاصة في ظل الحشد الأمريكي البحري في المنطقة لدعم تايبيه (عاصمة تايوان) في مواجهة التهديدات الصينية؛ مما سبب تصاعد التوتر الشديد في محيط مياه تايوان وداخل مضيق تايوان.
- اهتمام الصين الكبير بحماية مكاسبها الاقتصادية من (الاقتصاد الأزرق) المرتبط بالبحار والمحيطات، حيث نمت الصناعة البحرية الصينية بسرعة في العقود الثلاثة الأخيرة، وتجاوز إجمالي قيمة الصناعات البحرية الصينية التريليون يوان عام 2012، ومن المتوقع أن يمثِّل الاقتصاد الأزرق 30 % من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2050.إلى جانب إنشاء الصين للعديد من المناطق الاقتصادية الزرقاء الرائدة في مقاطعاتها الساحلية الشرقية، والتي تعد محركًا جديدًا للنمو الاقتصادي للصين.
- تأمين (مضيق ملقا) الممر المائي المثالي لنقل المنتجات من وإلى الصين، إذ يعد أقصر طريق بحري بين الشرق الأوسط و شرق آسيا، فوفقًا لإحصاءات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية فإنه يتم نقل نحو 20 % من التجارة البحرية العالمية و60% من التدفقات التجارية للصين عبر (مضيق ملقا) وبحر الصين الجنوبي؛ لذا فمن الضروري تأمين الصين لحركة الملاحة فيهما لمنع أي أضرار كارثية على الاقتصاد الصيني بسبب أي تأثيرات سلبية على حركة الملاحة هناك.
- الرغبة في توفير الحماية للاستثمارات الصينية في طريق الحرير البحري.
ومن هنا تتبنى الصين مبدأ الدفاع عن البحار القريبة بمنزلة إستراتيجية دفاعية لضمان السيادة الإقليمية وضمان حقوقها، ومصالحها البحرية، وتعزيز وجودها وقدرتها على تحقيق الانتصار في أي صراع مسلح قد ينشأ في البحار القريبة، بينما يأتي مبدأ حماية البحار البعيدة تأكيدًا لسعي الصين لتكون قوة بحرية عالمية، وذلك من خلال زيادة عدد السفن وحاملات الطائرات والغواصات التي تعمل بالطاقة النووية، لدعم قدرات البحرية الصينية للتوسع في عملياتها في المناطق البعيدة عنها بما فيها خارج حدود قارة آسيا.
وتشير تقارير صادرة عن مكتب الاستخبارات الأمريكية إلى أن الصين أصبحت تملك في عام 2020 عدد 360 سفينة حربية، وهذا يزيد عن عدد السفن الأمريكية، كما أن حجم القوة القتالية للبحرية الصينية تضاعف أكثر من ثلاثة أضعاف، وقد استبدلت الصين معداتها البحرية التقليدية بمعدات قتالية دقيقة التوجيه، وقد أعلنت الصين في يونيو 2022 عن الانتهاء من تصميم وبناء أول حاملة طائرات محلية؛ إلا أنها لم تدخل الخدمة بعد لحاجتها إلى بعض التجهيزات، مثل: تركيب أنظمة الدفاع والرادارات؛ إلا أن تصميم وبناء الحاملة محليًّا يعد الإنجاز الأكبر للبحرية الصينية في العقد الأخير.
وقد حد تنامي القوة البحرية الصينية الحالي من سيطرة البحرية الأمريكية الكاملة التي كانت عليها خلال العقود السبعة الأخيرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ إلا أن تأثير القوات البحرية الصينية يتواجد بقوة في ثلاث مناطق رئيسية، هي: بحر الصين الشرقي، وبحر الصين الجنوبي، ومنطقة الإندو - باسيفيك (ما بين المحيط الهادي والمحيط الهندي).
مقارنة بين القوتين الأمريكية والصينية:
- رغم أن البيانات تشير إلى أن القوة البحرية الصينية باتت أكبر قليلًا من حيث العدد، فإن للبحرية الأمريكية تفوق نوعي في الملاحة البحرية، وفي الخبرة القتالية على نظيرتها الصينية، كما أن البحرية الأمريكية ما زالت تمتلك عددًا أكبر من السفن التي تتسع حمولتها للمعدات الثقيلة، مثل: مدمرات الصواريخ الموجهة، مما يجعلها أكثر تفوقًا نسبيًّا في القدرة على إطلاق صواريخ كروز.
- تتسم القيادة للقوات البحرية الصينية بالمركزية الشديدة، بينما تتسم قيادة القوات البحرية الأمريكية بالمرونة حيث يضع القادة أهدافًا ويتركون الأمر للمرؤوسين لتقرير كيفية تحقيق تلك الأهداف، مما ينمي اللامركزية والقدرة على توليد الأفكار الإبداعية، مما يجعل البحرية الأمريكية تتفوق على نظيرتها الصينية في تطوير التقنيات وأساليب الإدارة المختلفة، وتعزز بالتالي من الأداء أثناء المعارك البحرية، فمثلًا: عند حدوث عطل في الاتصال مع القيادة أثناء القتال، فمن المرجح ألا ترتبك وحدات البحرية الأمريكية، وأن يقوم الصف الثاني باتخاذ القرارات اللازمة في حين أن من المتوقع أن يربك موقف كهذا البحرية الصينية.
- يتكون أسطول الغواصات الأمريكية من 50 غواصة تعمل جميعها بالطاقة النووية بالكامل، بينما تملك الصين 62 غواصة لا تعمل بالطاقة النووية منها إلا 7 غواصات فقط.
- تعد القوة البحرية الأمريكية قوة عالمية حيث تنتشر سفنها البحرية في عدد كبير من مناطق العالم، بينما تعد قوة الصين البحرية قوة إقليمية حيث تتركز معظم قدراتها البحرية في المحيطين: الهادي والهندي، مما يحد من قدرتها على المنافسة على الهيمنة البحرية عالميًّا.
ولمواجهة تنامي التحدي الصيني فقد سعت القوات البحرية الأمريكية إلى تعزيز قدراتها من خلال:
