شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الصراع الدولي من أجل الهيمنة البحرية (1-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتحتاج كل دولة تطل على محيط أو بحر أو خليج أن تكون لها قوة بحرية قادرة على حمايتها، والدفاع عن مواردها؛ خاصة البحرية منها، وكلما ازدادت مصالح الدولة ومناطق نفوذها إقليميًّا ودوليًّا احتاجت أكثر وأكثر إلى زيادة قوتها البحرية، وزيادة أدوارها وفاعليتها.

وعبر التاريخ كان صعود قوى دولية أو تراجعها في النظام الدولي يرتبط بثقل قوتها البحرية إلى جانب قوتها البرية والجوية، فالقوة البحرية للدولة يمكن أن تؤدي مهامًا كثيرة ومتنوعة بحسب ثقل الدولة ومصالحها ونفوذها، بدءًا من حماية السواحل والموارد البحرية، إلى دعم المصايد والتنقيب والبحث عن البترول والغاز والمعادن في المياه الإقليمية، إلى تأمين الملاحة والتجارة البحرية وسلاسل الإمداد في الممرات البحرية وأعالي البحار التي تستخدمها الدولة، ومنع أعمال الهجرة غير المشروعة والتهريب عن طريق البحر، والتصدي لأعمال القرصنة والنهب من جماعات، أو رد التهديدات من دول لها نفوذ وهيمنة.

وقد زاد الأمر خطورة التقدم الرهيب في السفن الحربية وتسليحها ومعداتها وإمكانياتها وتنوعها، من مقاتلات سطحية كالفرقاطات والطوربيدات، ومن مقاتلات تعمل تحت السطح كالغواصات، ومن أنواع الصواريخ التي تطلق فوق سطح الماء أو من تحت سطح الماء بكفاءة وسرعة ودقة عالية ولمسافات بعيدة، وبقدرات مدمرة كبيرة، إلى جانب المركبات البرمائية، وسلاح الطيران البحري وحاملات الطائرات من طائرات الهليكوبتر وغيرها؛ بالإضافة إلى المساهمة في أعمال النقل للقوات المقاتلة في الحروب وغيرها، والمشاركة في أعمال الإنقاذ والمعاونة.

وتحرص الدول الكبرى كل الحرص على تحقيق مصالحها و تقوية وحماية نفوذها من خلال أن يكون لها أساطيل بحرية قوية تجوب بحار العالم المختلفة، خاصة في مناطق الصراعات الملتهبة منها؛ لفرض هيمنتها البحرية الإقليمية والدولية.

ويشهد عصرنا الحالي تنافسًا قويًّا بين القوى العظمى في العالم لفرض الهيمنة البحرية على البحار والمحيطات والممرات البحرية حيث تتسابق هذه القوى تسابقًا رهيبًا فيما بينها في بناء وتضخيم وتطوير وتحديث أساطيلها وترسانتها في مواجهة القوى المنافسة لها للتفوق عليها في هذا المجال، وفي مقدمة تلك القوى أمريكا والصين، وروسيا والاتحاد الأوروبي، واليابان والهند.

1- القوة البحرية الأمريكية:

تمتلك أمريكا حاليًا أقوى سلاح بحري في العالم، حيث كان لسلاح البحرية الأمريكي تطور تاريخي مذهل، حيث بدأت الاهتمام بقوتها البحرية منذ نشأتها الأولى، وخلال حرب الاستقلال في مواجهة بريطانيا وتفوقها البحري، ولحماية المستعمرات الأمريكية الساحلية.

ويتكون سلاح البحرية الأمريكية حاليًا من سبعة أساطيل نشطة بعد إلغاء عمل كلٍّ من الأساطيل الأول والثامن والتاسع، وهذه الأساطيل السبعة متشابهة في تقسيمها الوظيفي والهيكلي، حيث يتخصص كل أسطول منها في حماية المصالح الأمريكية في إحدى مناطق العالم، وهي موزعة كالآتي:

الأسطول الثاني:

مهمته الرئيسية: حفظ المصالح البحرية الأمريكية في منطقة غرب المحيط الأطلنطي من البحر الكاريبي إلى القطب الشمالي، وقد أعيد في عام 2018 تشكيله، عقب تزايد النشاط البحري الروسي في شمال المحيط الأطلنطي.

الأسطول الثالث:

تتركز مهامه في وسط وشرق المحيط الهادي من خلال دوريات بحرية للحفاظ على أمن المياه هناك، ويقوم الأسطول بوضع خطط وسيناريوهات للتدخل في المستقبل استعدادًا لأي حرب قد تشهدها منطقة شرق وشمال المحيط الهادي أو الساحل الغربي الأمريكي ومنطقة ألاسكا شمالًا.

الأسطول الرابع:

ومهمته تتركز في منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الوسطى و الجنوبية، وقد أعيد تشكيله عام 2008، وعهد إليه التعاون مع القوات البحرية للدول الشريكة في مكافحة الاتجار بالبشر، والتعاون الأمني والتدريبات العسكرية مع القوات متعددة الجنسيات هناك.

الأسطول الخامس:

وهو مكلَّف بمواجهة أي تهديدات في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط للحفاظ على أمن واستقرار البيئة البحرية هناك، وقد لعب هذا الأسطول دورًا كبيرًا في عملية (درع الصحراء) التي قادتها أمريكا عام 1991 مع القوات المتعددة الجنسيات لإنهاء احتلال العراق للكويت.

الأسطول السادس:

هو نقطة ارتكاز القوات البحرية الأمريكية في أوروبا بالتعاون مع حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، لضمان الأمن والاستقرار في جنوب أوروبا، وتكمن قوته الضاربة في حاملات الطائرات والطائرات النفاثة الحديثة والغواصات المتقدمة، إلى جانب كتائب المشاة الموجودة على سفن برمائية منتشرة في البحر المتوسط.

الأسطول السابع:

وهو أكبر وأهم الأساطيل الأمريكية، وأهم ركائز الإستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة المحيطين: الهادي والهندي. ويتمركز الأسطول في بحر الصين الجنوبي لمراقبة الأنشطة البحرية الصينية وللتعامل مع أي تصعيد مفاجئ في المنطقة، وينتشر الأسطول كذلك في مضيق تايوان، ويضم الأسطول ما بين 50 إلى 60 سفينة وغواصة، و150 طائرة حربية، و60 ألف من الأفراد والمشاة البحرية، ويمتد نشاطه عبر مساحة تبلغ 142 مليون كيلو متر مربع تضم 26 دولة في منطقة ما وراء المحيطين الهادي والهندي.

الأسطول العاشر:

والذي تم إنشاؤه عام 2010 ليتولى مسئولية القيادة الإلكترونية للبحرية الأمريكية، ويقدم تقاريره مباشرة إلى رئيس العمليات البحرية، وتتمثل مهمته في تخطيط العمليات البحرية ومراقبتها وإرشادها وتقييمها، وتوجيه التأثيرات التكتيكية والتشغيلية لضمان تنفيذ لمهام القيادة البحرية في جميع أنحاء العالم، وتتفوق القوة البحرية العسكرية الأمريكية نوعيًّا على غيرها؛ إذ تمتلك 11 حاملة طائرات، و9 حاملة هليكوبتر، و92 سفينة مدمرة، و68 غواصة، و22 سفينة حربية صغيرة؛ بالإضافة إلى 8 طرادات و10 سفن لخفر السواحل.

وفي ظل حدة الصراع مع الصين؛ فإن إستراتيجية الدفاع الأمريكية تسعى لتعزيز قوتها في المجال البحري لمجابهة التهديدات الصينية والروسية للمصالح الأمريكية.

2- القوة البحرية الصينية:

الصفحة التالية