شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عملاء إيران بالمنطقة... صغار في الذهاب وفي الإياب!

غريب أبو الحسن • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

- وقف الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" أمام حشد من أنصاره، وراح يذكر أمجاده إبان فترة حكمه للولايات المتحدة الأمريكية. وذكر رد الفعل الإيراني عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية باغتيال صفوة رجالاتها وأكثرهم خطورة "قاسم سليماني"، فقد اغتالته أمريكا بعد هبوطه في مطار بغداد بفترة قصيرة وأعلنت ذلك بفخر، وخرج علينا المسئولون الإيرانيون ليتوعدوا أمريكا برد غاشم وأنها ستدفع ثمن ذلك غاليًا، ثم أطلقت بضعة صواريخ لتقع بالقرب من قاعدة عين الأسد حيث تتواجد القوات الأمريكية بالعراق.

ولكن ترامب بيَّن خلفيات تلك الرشقات الهزيلة، فقال: "بعد مقتل سليماني تواصلت معنا إيران، وقالت: يجب أن يكون لنا رد على مقتل سليماني، ونرجو أن تتفهموا ذلك، سوف نطلق 18 صاروخًا على قاعدة الأسد، ولكن خارج القاعدة!"، فقال ترامب: "الكل كان قلقًا؛ إلا أنا لم أكن قلقا!"، تلخص هذه الكلمات التي خرجت من ترامب طبيعة العلاقة بين إيران وأمريكا والغرب.

- العلاقة بين إيران وأمريكا علاقة إستراتيجية لا يفسدها حتى قتل أمريكا لأخلص رجال إيران.

- قد يحدث أحيانًا خلافات بين إيران وأمريكا تستلزم أن تعطي أمريكا إيران بعض الصفعات لتذكرها بأنها مجرد لاعب له مساحة لا يتخطاها، وأنها لا ينبغي أن تتجاوز هذه الحقيقة، وأن تعود للخطوط الحمراء التي رسمتها لها أمريكا.

- إن درجة التنسيق بين إيران وأمريكا درجة عالية جدًّا، فليس هناك أعلى من التنسيق في الانتقام والاتفاق عليه والاتفاق أنه يكون انتقاما صوريًّا!

- فما سر هذه العلاقة الإستراتيجية بين إيران وأمريكا، وكيف نربط بين التعاون الإستراتيجي بينهما وبين حالة العداء الظاهرة؟

كما أسلفنا، يلخص هذا الحديث علاقة أمريكا مع إيران عبر عشرات السنين منذ أن نشأت إيران على أنقاض الحكم الملكي وبدعم من الغرب؛ تتلخص علاقة إيران مع أمريكا والغرب بدور وظيفي حدده الغرب لإيران، وهو: أن تكون إيران فزاعة للدول العربية حتى تفر الدول العربية من مخالب إيران لحضن أمريكا، فمنطقة الشرق الأوسط تشكل أهمية خاصة، ففيها احتياطي النفط العالمي والذي استخدمته الدول العربية كسلاح فعال في حرب 73، وتألمت أمريكا من استخدام الدول العربية لسلاح النفط؛ لذلك أرادت أمريكا أن تتواجد بشكل دائم أمام آبار النفط، ولكن كيف تفعل ذلك؟ ببساطة تفعل ذلك إذا خافت الدول الخليجية من عدو ما وطلبت الحماية الأمريكية، وهذا ما كان، دعمت أمريكا قيام الدولة الخمينية وصنعت منها فزاعة لدول الخليج.

قامت دول الخليج في بادئ الأمر بدعم العراق لتكون حائط صد أمام الأطماع الفارسية في الوطن العربي، ونشبت حرب استمرت لسنوات، واستطاع صدام حسين بالفعل لجم الأطماع الفارسية في المنطقة؛ لذلك سعت أمريكا للوقيعة بين الدول الخليجية والعراق ثم أغرت العراق بغزو الكويت لتهرع دول الخليج لطلب الحماية الأمريكية، تحركت أمريكا بالفعل وحطمت الجيش العراقي وأزالت العقبة من أمام إيران للتوسع في المنطقة ولتسارع بعض الدول العربية للطلب من أمريكا أن تقيم قواعد عسكرية على أراضيها لتحقق لها معادلة الأمن بعد انهيار الجيش العراقي، وانفتاح الشهية الإيرانية لابتلاع المنطقة، وكانت هذه وظيفة إيران في المنطقة، أن تكون الفزاعة التي تضمن بقاء القواعد العسكرية في العديد من الدول في الشرق الأوسط بجوار آبار النفط.

- ثم هبت رياح الربيع العربي والشرق الأوسط الجديد وفلسفة أمريكا العبثية من أن الفوضى خلاقة، وأننا لو وقفنا في وجه الفوضى والصراعات، فإننا نقف أمام حركة التغيير، وأن الفوضى يمكن أن تؤدي إلى نظام جديد أكثر استقرارًا وتوازنًا. وحقيقة الأمر: أن أمريكا أرادت أن تفتت دول المنطقة وفق معيار طائفي لتزداد الدول ضعفًا أمام إسرائيل وليسهل الاستيلاء على خيراتها، ولتنشب الصراعات العنيفة ولتنشأ حدود الدم التي تستمد وقودها من مصانع السلاح الغربية، وليزداد العالم العربي والإسلامي ضعفًا، وتزداد أمريكا والدول الغربية قوة، وتزداد الهوة الحضارية بين شمال العالم وجنوبه.

- هنا أضافت أمريكا لإيران دورًا جديدًا بعد أن أزالت حكم الجنرالات في المنطقة بثورات الربيع العربي، حيث ترتب على هذه الثورات انهيار أنظمة الجنرالات، وحلت محلها أنظمة ضعيفة لا يملك الرؤساء فيها زمام الأمور ولا السيطرة على الجيوش، بل يستمدون قوتهم من التحالف مع أمريكا التي تنصب من تشاء وتقيل من تشاء ، كانت هذه اللحظة مثالية تمامًا لتقوم إيران بالتوسع على حساب الأنظمة العربية ولتصدير ثورتها، ولتؤدي وظيفتها الجديدة، وهي تفتيت الدول العربية لدويلات صغيرة بعد أن تغرقها في جحيم الصراع الطائفي البغيض، فسارعت للعبث بمقدرات العراق وتشكيل ميلشيات تابعة لها والتوغل في الشارع العراقي، وإعانة عملائها على الاستيلاء على مقدرات الشعب العراقي ثم أصبحت تملك زمام الأمور في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وكادت تفعلها في البحرين حتى تفاخر أحد مسئوليها أن إيران تحكم عواصم أربع دول عربية.

- ولكن لو كان الأمر كذلك؛ فلماذا تختلف إيران مع أمريكا؟ ولماذا تحاصر أمريكا إيران وتفرض عليها العقوبات من آن لآخر؟

لماذا تجميد الأموال وتمنع إيران من بيع النفط وغيرها من الخلافات بينهما؟!

وحقيقة الأمر: أن الأمر أشبه بالخلاف بين لصين على السرقة، فإيران تريد مزيدًا من التوسع على حساب دول المنطقة وأمريكا تقول لها: يكفي ما أخذتِ!

الصفحة التالية