الصراع الدولي من أجل الهيمنة البحرية (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
تعد اليابان والهند قوتين بحريتين إقليميتين رئيسيتين في منطقة الإندو - باسيفيك (منطقة المحيطين: الهندي والهادي)، حيث يعملان على زيادة قوتهما البحريتين لتعزيز سيطرتهما على تلك المنطقة في ظل المنافسة من الصين.
وتعد اليابان قوة بحرية قديمة، ظهرت كقوة في شرق آسيا في نهاية القرن التاسع عشر، واستطاعت أن تهزم روسيا والصين في مطلع القرن العشرين، وسيطرت بحريًّا على المنطقة حتى لاقت هزيمتها الأخيرة في الحرب العالمية الثانية، والتي تم بعدها حل البحرية اليابانية، وتقييد كل أنشطتها العسكرية بشكل صارم من خلال المادة التاسعة من الدستور الياباني، وتم تشكيل قوة للدفاع الذاتي البحري الياباني في عام 1954، والتي يقتصر دورها على الدفاع عن سواحل اليابان.
تقوم إستراتيجية الأمن البحري اليابانية حاليًا على قسمين: الأول: يتعلق بمياه اليابان الأصلية، والثاني: يتعلق بالممرات البحرية بين المحيط الهندي والمحيط الهادي. وتواجه اليابان ضغوطًا أمنية كبيرة ومخاوف هي من إرث الحرب العالمية الثانية، وتعاني من تقييد حرية التعاون مع جيرانها: روسيا والصين والكوريتين، هذا في ظل نزاعات وصراعات إقليمية ودولية في المنطقة؛ فلليابان نزاع إقليمي مع الصين على جزر (دياويو)، ومع كوريا الجنوبية حول جزر (دوكدو / تاكيشيما)، ومع روسيا حول جزر (الكوريل). وتعاني اليابان من تهديد التحديث العسكري للصين وتطورها البحري السريع، ومن تهديدات الصواريخ الباليستية لكوريا الشمالية؛ خاصة في ظل دعم طوكيو لعقوبات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد كوريا الشمالية، وهذا كله يدفع اليابان إلى محاولة الاستفادة من تحالفها مع أمريكا، ونشرها القوات في أماكن التهديد الأكثر خطورة، وتعزيز العلاقات الإيجابية مع الشركاء من أصحاب القدرات البحرية المتزايدة.
ويعد التحدي الأكبر لليابان هو أنها بحكم الدستور ممنوعة من امتلاك أسلحة أو منصات هجومية، كما يعاني الأسطول الياباني من نقص في تجديد السفن وفي مجالات الدعم اللوجيستي، مما يعرض قوات الدفاع الذاتي للبحرية اليابانية للخطر عند العمل أو أداء أي مهام بشكل مستقل عن الأسطول البحري السابع الأمريكي، وعن القوات الجوية الأمريكية في المنطقة. ورغم أن اليابان تمتلك قاعدة تقنية متطورة وتتفاخر عالميًّا بقدراتها على بناء السفن؛ إلا أنها ممنوعة بحكم الدستور من امتلاك حاملات طائرات هجومية أو قاذفات إستراتيجية بعيدة المدى أو صواريخ باليستية عابرة للقارات؛ لذا فرغم أن اليابان تتمتع بميزة تكنولوجية وبقاعدة صناعية دفاعية، فتطورها البحري محدود.
الأنشطة البحرية اليابانية:
لتحقيق تأثير في الوضع الأمني البحري في جنوب شرق آسيا عملت قوة الدفاع الذاتي للبحرية اليابانية على نشر سفنها في المنطقة في إطار الجهود المتعددة الأطراف، فمن ذلك: استجابة سفن وطائرات قوات الدفاع الذاتي اليابانية في عام 2004 لتسونامي المحيط الهندي، والمشاركة عام 2005 في المنتدى البحري لغرب المحيط الهادي الذي استضافته بحرية سنغافورة، والمشاركة في تدريبات بحرية ترعاها منظمات متعددة الأطراف، مثل: المنتدى البحري لغرب المحيط الهادي والمنتدى الإقليمي لرابطة أمم جنوب شرق آسيا، وهي وإن كانت بسيطة، لكنها تهدف إلى إعادة بناء الثقة أكثر منها تعزيزًا للقدرات الفعلية، كما أجرت القوات البحرية اليابانية أنشطة ثنائية مع ثماني دول شريكة من دول بحر الصين الجنوبي ومن دول خليج البنغال الساحلية.
وقد عملت البحرية اليابانية على إجراء تدريبات بعيدة عن مياهها المحلية ومع دول أخرى غير أمريكا، كما في تعزيز التعاون مع البحرية الهندية، حيث تم تنفيذ مناورات مشتركة بين البلدين وسط بحر العرب في عام 2020 و2021، والتي أظهرت مستوى عاليًا من قابلية التشغيل البيني، وقد اعتبرها البعض أنها تحد موجه ضد الصين في ظل المنافسة البحرية في منطقة المحيط الهندي.
6- القوة البحرية الهندية:
ظلت الهند منذ استقلالها قوة برية تركز على التهديدات القادمة من حدودها الغربية وجبال الهيمالايا وانحصر اهتمامها البحري على الدفاع عن سواحلها وحماية جزرها، ثم بدأت في التحول البحري من خلال ربط نفسها بشكل كبير والانخراط بشراكة مع دول شرق وجنوب شرق آسيا. وفي حدث بارز ساهمت البحرية الهندية في أعمال الإغاثة في زلزال وكارثة تسونامي عام 2004، والتي كانت اختبارًا لقدراتها البحرية والبرمائية وإسقاط القوات، والتي كشفت عن أوجه قصور دفعت القادة الهنود إلى القيام بحملة لتحديث القوات البحرية ولتصنيع الغواصات، حيث يمتلك الأسطول الهندي 17 غواصة من الغواصات القديمة الآخذة في التراجع، حيث استهلك 80 % منها مدة الخدمة ويقترب من الخروج من الخدمة، ولم يتم تطوير إلا القليل منها، خاصة في ظل تحكم الهند في الممرات البحرية التي تمر من أوروبا وإفريقيا إلى الصين، خاصة عبر مضيق (ملقا)، ولكن يشهد التحديث البحري الهندي تراجعًا بسبب تقليص ميزانيات الدفاع، وعدم توافق طموح السيطرة البحرية مع النفقات العسكرية الحالية.
مقارنة بين البحرية اليابانية والهندية:
تماثل القوة البحرية الهندية القوة البحرية اليابانية، ورغم إعادة البحرية اليابانية هيكلة قدراتها عدة مرات لجعلها أكثر فاعلية؛ إلا أنها لم تزد من قدراتها من حيث الكمية، وتمتلك البحرية الهندية حاملة طائرات واحدة في الخدمة الفعلية، في حين أن اليابان ليس لديها حاملات طائرات. وقد أدخلت الهند سفينة روسية الصنع في الخدمة عام 2012، كما أدخلت تكنولوجيا الصواريخ البحرية متوسطة وبعيدة المدى في قواتها البحرية. ورغم تخلف القاعدة الصناعية الدفاعية الهندية عن مثيلتها اليابانية، ورغم المعاناة من انخفاض الميزانيات وارتفاع تكاليف الإنتاج والتكنولوجيا، لكن تقوم أحواض بناء السفن الهندية ببناء السفن، وتطمح إلى تطوير وبناء أنظمة متطورة، خاصة وأن لديها برامج بحث وتطوير محلية، لكنها تعاني من البيروقراطية وقيود الميزانية؛ ما يجعل تحقيق التغيير المطلوب يحتاج لعقود، وتعتمد أنظمة الجيش الهندي حاليًا على عمليات الشراء الأجنبية حيث يتم استيراد أكثر من 70 % من الأسلحة.
