الصراع الدولي من أجل الهيمنة البحرية (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
4- القوة البحرية للاتحاد الأوروبي:
يتم نقل حوالي 90 % من التجارة الخارجية للاتحاد الأوروبي و40 % من تجارته الداخلية عن طريق البحار والمحيطات، ومع ذلك فقد شهدت القوات البحرية الأوروبية تقلصًا كبيرًا في حجمها في العقود الثلاثة الأخيرة نتيجة الخفض المستمر في حجم الإنفاق الدفاعي البحري في أوروبا بعد نهاية الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي؛ إذ تراجعت القوة البحرية الأوروبية مع غياب أولويات التهديدات البحرية ففقدت القوات البحرية الأوروبية 32% من أعداد مقاتلاتها الرئيسية من الفرقاطات والمدمرات بين عامي: 1999 و2018، وأصبح لديها في عام 2021 فقط 116 مقاتلة سطحية كبيرة بدلًا من 197 مقاتلة، و66 غواصة بدلًا من 129 غواصة، ولهذا أثره على القدرات القتالية لقوات الاتحاد الأوروبي، وأصبح تركيز القوات البحرية الأوروبية على مهام منخفضة المستوى من مكافحة الصيد غير المشروع، ومكافحة الهجرة غير المشروعة، وعمليات البحث والإنقاذ، ومكافحة أعمال القرصنة.
وقد شاركت بعض أساطيل البحرية الأوروبية في مهام متعددة: كالاشتراك في عمليات مكافحة القرصنة في خليج غينيا وقبالة سواحل الصومال، ومهام مراقبة حظر توريد السلاح في البحر المتوسط، والاشتراك كذلك في دعم التدخل العسكري المباشر كما في العملية الليبية عام 2011، وكلها عمليات ذات تأثير محدود؛ لذا فمع تصاعد المنافسة في الآونة الأخيرة بين الغرب وبين الصين وروسيا، والتي تنامت معها احتمالات المواجهة ونشوب حرب، فإن القوات البحرية الأوروبية تبدو وكأنها غير مستعدة لذلك.
ولاستعادة النفوذ والسيادة والانتشار للبحرية الأوروبية يسعى الاتحاد الأوروبي لتطوير إستراتيجية متكاملة للأمن الأوروبي البحري من خلال عدة مسارات، منها:
- إصدار الاتحاد الأوروبي لإستراتيجيته للأمن البحري في يونيو 2014 والتي تم تحديثها في 2018، ووضع تقرير لتنفيذ خطة للعمل في عام 2020، وهي الإستراتيجية التي تحدد المصالح الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي في الفترة القادمة في مجال الأمن البحري، وكيفية دفاع الاتحاد الأوروبي عن هذه المصالح، من خلال تحقيق عدة أهداف رئيسية، منها: تعزيز الأمن والسلام العام، حرية الملاحة، مراقبة الحدود الخارجية، تطوير البنية التحتية البحرية والموانئ، وتأمين خطوط الأنابيب والكابلات تحت الماء، وحماية الموارد الطبيعية، وتأمين البيئة البحرية، وأخيرًا التأهب للتغيرات المناخية. وقد انعكس ذلك في توسيع التعاون بين الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي مما أسفر عن نتائج ملموسة في عمليات المراقبة البحرية المشتركة، والتعاون مع الشركاء؛ خاصة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا.
- إعداد آلية جديدة للحضور البحري المنسق والتي تم تطويرها في عام 2020 لتعزيز مشاركة الاتحاد الأوروبي في مجال الأمن البحري، من خلال زيادة قدرة الاتحاد الأوروبي كشريك موثوق به، وضمان الوجود البحري الدائم في مناطق الاهتمام البحرية، وتعزيز التعاون والشراكة الدولية في البحر، وهي آلية توفر إطارًا للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتوحيد الجهود، ويمكن تنفيذها في أي منطقة بحرية ذات اهتمام، إلى جانب توظيف الأصول البحرية الحالية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الموجودة ومنتشرة في مناطق الاهتمام البحرية.
وقد تم تفعيل تلك الآلية للاتحاد الأوروبي في خليج غينيا في عام 2021 والتي نجحت في مواجهة تحديات الأمن البحري هناك، ومواجهة تحديات حرية الملاحة، والحد من حوادث الأمن البحري بأكثر من 50 % في عام 2021، مما جعلها أداة فعالة لضمان استمرار الوجود الأوروبي في هذه المنطقة. وقد تم تفعيل تلك الآلية أيضًا في منطقة شمال غرب المحيط الهندي في فبراير 2022 لتعزيز التركيز الإستراتيجي، وضمان الوجود الأوروبي في المحيطين: الهندي والهادي، وتعزيز الشراكة والتعاون فيهما.
- وللعب دور في المنافسة الإستراتيجية المتنامية، كان سعي الاتحاد الأوروبي لتكثيف المناورات البحرية المشتركة، ويعد أوضح مثال لها: المناورة العسكرية في أواخر عام 2012 في غرب البحر المتوسط والتي نظمتها فرنسا، وشاركت فيها قوات بحرية من أمريكا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا واليونان، والتي تحاكي معركة بحرية واسعة غرب المتوسط؛ بهدف ضمان جاهزية القوات الأوروبية لعودة الحروب التقليدية بين الجيوش المتكافئة.
- إعلان مفوضية الاتحاد الأوروبي في يوليو 2022 عن دعم 61 مشروعًا مشتركًا للبحث والتطوير في مجال الدفاع بإجمالي 1.2 مليار يورو من خلال صندوق الدفاع الأوروبي، وتواجه طموحات الاتحاد الأوروبي في استعادة قوته البحرية وإعادة دوره في الأمن البحري العالمي تحديات عديدة تضع قوته البحرية تحت ضغط.
ومن هذه التحديات:
- أن التحول المطلوب لن يحدث بين عشية وضحاها حتى مع تخصيص الأموال اللازمة؛ لأن تصميم وبناء السفن العسكرية والغواصات يستغرق عقودًا.
- تزايد حاجة العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى المشتريات العسكرية.
- حاجة الدول الأعضاء إلى تعزيز التعاون الصناعي بينها.
- الحاجة إلى مواصلة التدريبات المشتركة الجماعية لأعضاء الاتحاد الأوروبي للتمرين على الاستجابة للمواقف العالية الكثافة، من خلال التخطيط التشغيلي المشترك على مستوى حلف الناتو أو على مستوى الاتحاد الأوروبي، وكذلك للكشف عن أي أوجه قصور في الأسلحة والأدوات البحرية خاصة الحديثة منها.
- أنه لا تزال هناك دول أوروبية تضع قيودًا على الميزانية، أو تحاول الحفاظ على التوازن بين مختلف فروع جيوشها، مما يؤثر سلبًا على زيادة الإنفاق المطلوب في المجال البحري.
- الحاجة المتزايدة إلى العمل الجماعي الأوروبي أكثر من الحالي؛ إذ لم تعد هناك دولة أوروبية يمكنها العمل بمفردها في التنافس الإستراتيجي البحري، باستثناء فرنسا وبريطانيا في بعض السيناريوهات المحدودة؛ لذا سيشكل الاستثمار والتدريب والعمل الأوروبي الجماعي شكلًا أفضل يجعل الصورة قطعا تختلف.
5- القوة البحرية اليابانية:
