شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مؤشرات الصعود الفلسطيني والتراجع الصهيوني

غريب أبو الحسن • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد زرعت دول الاحتلال الغربي إسرائيل في أحشاء العالم العربي، بل في الحقيقة لم تتوقف ‏الدول الغربية من قبل عن محاولة غزو الدول العربية والإسلامية منذ الحملات الصليبية، ‏ودأبت على محاولة إنشاء إمارات صليبية على سواحل الشام، وكأنها ظلت تحلم بشطر ‏العالم العربي لقسمين، ومِن ثَمَّ الإسلامي، فالعرب والمسلمون هم عدوهم الإستراتيجي؛ الذي أنهى الإمبراطورية الرومانية، والذي يملك حضارة تجمع بين الجانب الروحي والمادي، ‏التي غزت قلب أوروبا، وتهدد عرش الحضارة الغربية المادية البائسة؛ الحضارة ‏الإسلامية الزاهرة التي اصطدم معها الغرب عبر تاريخ كبير من الصراع.

ثم تفتق الذهن ‏الغربي عن حلٍّ بديلٍ بعد فشل الحملات الصليبية القديمة، وحملات الاحتلال الحديثة، وهو: زرع إسرائيل في أحشاء العالم العربي، وحرصت الدول ‏الغربية منذ قيام دولة الكيان المحتل على فرض معادلة من التفوق الإسرائيلي المستمر ‏في القدرات العسكرية والجانب الاقتصادي، وحرصت على دعم الصلف الإسرائيلي ‏المستمر؛ يظهر ذلك في التعامل باستهانة مع قرارات المنظمات الدولية التي تتحكم فيها ‏أمريكا ووكلاؤها بشكل مستمر، وحتى في أحداث غزة الأخيرة تلقت إسرائيل دعمًا ‏دبلوماسيًّا لتغطية مذابحها الوحشية على قطاع غزة، وسائر الأراضي المحتلة، مع جسر ‏مفتوح من المساعدات العسكرية، ومخازن مفتوحة من السلاح صُبَّت كلها فوق رؤوس ‏المدنيين!

فدعونا بعد قرابة المائة عام من الصراع، نراجع مؤشر القوة بين إسرائيل والفلسطينيين ‏الذي تحرص إسرائيل على أن يكون لصالحها بفارق كبير، وتروج لذلك إعلاميًّا بشكل مُلِحٍّ ‏حتى يصيب ذلك الفلسطينيين بالإحباط الدائم فلا يفكروا في حلم التحرر والعودة!‏

فلو نظرنا لمؤشر القوة الإسرائيلي بعد أحداث السابع من أكتوبر؛ لوجدنا أن هذا المؤشر ‏آخذ في التهاوي، ومن دلائل انحدار وتهاوي مؤشر القوة الإسرائيلي:‏

‏-‏ انهيار أسطورة التفوق الاستخباراتي:‏

كان لنجاح المقاومة في اختراق جدار غزة، ومفاجأة الجيش الإسرائيلي بعملية "‏طوفان الأقصى"، الأثر الكبير في تحطيم أسطورة المخابرات الإسرائيلية التي تدعي ‏أنها تعرف دقائق الأمور في قطاع غزة، وأنها تمتلك تكنولوجيا متطورة وجيشًا من ‏العملاء، وغيرها من الأساطير التي تحب إسرائيل تردادها على مسامع العالم، ‏وخاصة العرب والفلسطينيين كنوعٍ من الحرب النفسية والبروباجندا الإعلامية؛ ‏انهار كل ذلك حين نجحت المقاومة الفلسطينية في التمويه وخداع الاستخبارات ‏الإسرائيلية التي أفاقت على هول ما حلَّ بها، وعلى ما حصلت علية المقاومة من ‏معلومات بعد عملية "طوفان الأقصى".

‏-‏ اختلال معادلة الأمن الإسرائيلي:‏

‏ بعد أن نقلت المقاومة المعارك إلى العمق الإسرائيلي؛ مما أربك هذه المعادلة، ‏وتحولت إسرائيل من دولة تتباهى بأن كل معاركها كانت على أرض خصومها، ‏إلى دولة تخوض المعارك في عمق أراضينا التي احتلتها.

‏-‏ الصراع الداخلي في إسرائيل:‏

‏ تفاقم الصراع السياسي الإسرائيلي قبيل أحداث طوفان الأقصى، ‏والذي شهد ذروته في صراع حكومة "نتن ياهو" مع القضاء والمعارضة، والشارع؛ ‏ذلك الصراع المنبعث من صراع اجتماعي بين تصنيفات الإسرائيليين المختلفة ‏والمنقسمة بين علمانيين، وقوميين، ومتدينين، وعرب؛ صراع قديم لم يستطع عامل ‏الوقت أن يصهر تلك المكونات، ومن المتوقع أن يحتدم الصراع كأقوى ما يكون ‏بعد مرور الأزمة الأخيرة التي وحَّدت الداخل الإسرائيلي بشكل مؤقت.

- الهجرة العكسية من إسرائيل:‏

‏ كان من آثار طوفان الأقصى، واختلال المعادلة الأمنية وصدمة، وهجوم المقاومة ‏الذي ضرب عمق الأراضي المحتلة، ووصوله لمستوطنات غلاف غزة؛ زيادة الرغبة في الهجرة العكسية من إسرائيل، خاصة وأن العديد من ‏الإسرائيليين يحملون جنسيات مزدوجة، وفكرة الهجرة العكسية تقوض وجود دولة ‏إسرائيل من أساسها، حيث قامت على استقدام اليهود من كل دول العالم للأراضي ‏المحتلة.

‏-‏ تراجع التفوق الإعلامي في إسرائيل على يد السوشيال ميديا والإعلام الشعبي:‏

‏ ظلت إسرائيل على امتداد الصراع العربي الإسرائيلي تملك زمام الإعلام حول ‏العالم عن طريق امتلاكها للقنوات الإعلامية وتحكمها فيها، وتحكمها في ‏الإعلاميين والتنكيل بكلِّ مَن يخالف التوجهات والروايات الإسرائيلية للأحداث، ‏ولكن تغير الفلسفة التي تدير بعض المنصات الإعلامية حول العالم ومزاحمة عالم السوشيال ميديا ‏للمنصات المملوكة للدول ولرجال العالم التي كانت تتلاعب بهم إسرائيل، فدخول ‏عالم السوشيال ميديا على الخط صعَّب على إسرائيل السيطرة على كل هذا النهر ‏المتدفق من المقاطع والمشاركات واليوتيوبرز والبلوجرز، وغيرهم؛ مما أثَّر على ‏الرأي العالم العالمي، ثم أجبر حكومات بعض الدول الغربية على ترك الرواية ‏الإسرائيلية للأحداث والرضوخ نسبيًّا للضغط الشعبي في تلك الدول.‏

‏ - ارتفاع صوت المعارضة لإسرائيل في العالم الغربي:‏

‏ وكنتيجة للصوت الداعم للفلسطينيين ارتفع الصوت المعارض لإسرائيل في العالم ‏الغربي، وإن كان هذا الصوت يمثل بدرجة أكبر الصوت الشعبي الغربي؛ إلا أن ‏بعض المسئولين الغربيين قد أعلنوا عن رفضهم للعدوان والإجرام الصهيوني على ‏غزة مثل حكومات إسبانيا والبلجيك، والعديد من المسئولين في الخارجية الأمريكية ‏والعديد من نواب الكونجرس الديمقراطيين والجمهوريين، وارتفاع الصوت ‏المعارض لتأييد بايدن المطلق للهمجية الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة.‏

‏-‏ أثر الأسلحة الفلسطينية محلية الصنع على سمعة السلاح الإسرائيلي:‏

‏ وأيضًا انتقال المقاومة الفلسطينية من المقاومة بالحجارة للمقاومة بالأسلحة ثم ‏إطلاق الصواريخ، ثم زيادة المدى الذي تصل إليه هذه الصواريخ، مع عدم تمكن ‏القبة الحديدية من التصدي لكل صواريخ المقاومة؛ مما يعني أن كل ما تحتله إسرائيل أصبح ‏مهددًا بصواريخ المقاومة، وهذا له أثر كارثي على الصناعة الإسرائيلية، وعلى ‏السياحة الإسرائيلية، بل وعلى استقرار المجتمع الإسرائيلي ذاته.

‏-‏ الفشل في تحرير الرهائن بالقوة:‏

الصفحة التالية