شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

كيف عامل النبي -صلى الله عليه وسلم- يهود؟ (موعظة الأسبوع) (4) تعامله مع خيانة بني قريظة

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- مَن هم بنو قريظة؟

هم قبيلة من قبائل اليهود الأربعة في المدينة، وهم كغيرهم ممَّن نقضوا العهد قبلهم (بنو قينقاع، بنو النضير)، فالغدر ونقض العهود والمواثيق خُلُق نشأ عليه اليهود لا يفارقونه، كما وصفهم الله -عز وجل-: ( أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (البقرة: 100) .

كيف نقضوا العهد؟

- خانوا المسلمين في أصعب الظروف (1) ، وتآمروا مع الأحزاب، غير مكترثين بما اتفقوا عليه مع رسول -صلى الله عليه وسلم-، وهو الدفاع عن المدينة ضد كل غازٍ يريد أن يغزوها، فلما جاءت الأحزاب -عشرة آلاف مقاتل- ‌بِقَضَها ‌وقَضيضها -أي: بكل ما فيها- في معركة الأحزاب ما كان من أفاعي الدس والغدر والخيانة إلا أن خانوا العهد، وخالفوا الاتفاق، فبدلًا من أن ينصروا الرسول -صلى الله عليه وسلم- حسب الاتفاق، قاموا بنصرة الأحزاب وشاركوهم في الحرب ضد المسلمين، فكان الموقف على المسلمين شديدًا عصيبًا؛ لأن المسلمين لم يكن يحول بينهم وبين يهود بني قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف، لا سيما وأن ذراري المسلمين ونساءهم على مقربة من هؤلاء الغادرين بدون منعة، قال -تعالى-: ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) (الأحزاب: 10، 11) .

- إن ما فعله اليهود مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يسمَّى في كل المواثيق والأعراف "خيانة عظمى": (معلوم أن الدول في هذا العصر مجمعة على قتل الجاسوس الذي ينقل الأخبار للدول المعادية ويعينها على دولته، وأين فعل جاسوس واحد خان وطنه من خيانة قبيلة يهود بني قريظة للعهد، مع ما كانوا يتطلعون إليه من إبادة المسلمين رغم إحسانهم إليهم؟!).

كيف عاملهم النبي -صلى الله عليه وسلم-؟

- لما وصل خبرهم بنقض العهد، أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعة من أصحابه وقال لهم: "انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟"، فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكونون، فقد جاهروهم بالسب والعداوة، ونالوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا: "مَن رسول الله؟! لا عهد بيننا وبين محمدٍ ولا عقد؟!"، فأقبل الصحابة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبروه أنهم على غدر كغدر "‌عضَل ‌وقَارَة" بأصحاب الرجيع، فتقنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بثوبه حين تأكد من غدرهم، واضطجع ومكث طويلًا يفكر في هذا الوضع الحرج (حصار الأحزاب من الخارج، وخيانة قريظة من الداخل).

- النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون يتضرعون إلى الله القوى العزيز الحكيم، فيتولى الله هزيمة الأحزاب ويردهم شراذم متفرقين: ( وَلَمَّا ‌رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا . مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا . لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا . وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) (الأحزاب: 22- 25) .

- النبي -صلى الله عليه وسلم- يرجع إلى المدينة ويتجهز لمواجهة خونة قريظة؛ إلا أن الأمر من الله كان الإسراع بالخروج: قالت عائشة -رضي الله عنها-: لما رجَع رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- من الخَندَقِ وضَع السلاحَ واغتسَلَ، فأتاه جبريلُ -عليه السلامُ- وهو يَنفُضُ رأسَه من الغُبارِ، فقال: وضَعْتَ السلاحَ، واللهِ ما وضَعْتُه، اخرُجْ إليهِم، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( فأينَ؟ ) فأشار إلى بني قُرَيظَةَ. (متفق عليه) .

- الرسول -صلى الله عليه وسلم- يأمر بسرعة الخروج إليهم قبل أن يتحصنوا بالحصون ويأخذوا العدة لذلك، حتى قال -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: ( لَا ‌يُصَلِّيَنَّ ‌أَحَدٌ ‌الْعَصْرَ ‌إِلَّا ‌فِي ‌بَنِي ‌قُرَيْظَةَ ) (متفق عليه) . وعن أنس -رضي الله عنه- قال: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا ‌فِي ‌زُقَاقِ ‌بَنِي ‌غَنْمٍ، مَوْكِبَ جِبْرِيلَ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ" (رواه البخاري) .

الصفحة التالية