كيف عامل النبي -صلى الله عليه وسلم- يهود؟ (موعظة الأسبوع) (4) تعامله مع خيانة بني قريظة
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- أسرع ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين إلى يهود بني قريظة، وحاصروهم في حصونهم خمسًا وعشرين ليلة، حتى أتعبهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فلم يجدوا مفرًّا إلا الاستسلام، والنزول على حكم الله ورسوله: قال أصحاب السِّيَر: "فلما اشتد حصرهم، واشتد البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر فأشار إليهم أنه الذبح. قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ- وكان حليفًا لهم، فظنوا أن يحابيهم ويخفف الحكم عليهم- فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى سعد بن معاذ، فأُتِي به على حمار... وحفَّ به قومه يحاولون الشفاعة في بني قريظة، فقالوا: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية، ومَن قد علمت، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا مِن دُورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَنْزِلُوهُ"، فأنزلوه، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ"، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات"، فقَتَل -صلى الله عليه وسلم- رجالهم وكانوا بين ستمائة وتسعمائة، إلا مَن أسلم منهم حقن إسلامه دمه، وسبيت نساؤهم وذرياتهم، وقسمت في المسلمين، وأنزل الله: ( وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا . وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ) (الأحزاب: 26، 27) (2) . (انظر: السيرة النبوية لابن هشام) .
- هكذا تم استئصال أفاعي الشر والغدر والخيانة الذين نقضوا الميثاق المؤكد وعاونوا الأحزاب على إبادة المسلمين في أحرج ساعة يمرون بها في حياتهم، فاستحقوا الإعدام والقتل بحكم الله -عز وجل- فيهم.
خاتمة: شدة عداوة يهود للإسلام والمسلمين:
- في هذه الوقعة ظهر من بعض اليهود تجلد وجسارة في مواجهة القتل، وما ذلك إلا من شدة العداوة والضغن على الإسلام والمسلمين.
- كان مِن جملة مَن قُتِل مع بني قريظة "حيي بن أخطب"-الذي كان يقر بنبوة نبينا، لكنه أبى الدخول في الإسلام!-، فإنه كان دخل مع بني قريظة في حصنهم وفاءً لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أتُي به قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ؟"، قال حيي: لقد ظهرت علي، أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يُخذل، ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عُنُقه لعنه الله. (سيرة ابن هشام) .
- واستوهب ثابت بن قيس -رضي الله عنه- الزبير بن باطا وأهله وماله، وكانت للزبير يد عند ثابت، فوهبهم له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له ثابت بن قيس: قد وهبك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليَّ، ووهب لي مالك وأهلك فهم لك، فقال الزبير بعد أن علم بمقتل قومه: سألتك بيدي عندك يا ثابت إلا ألحقتني بالأحبة! فضرب عنقه، وألحقه بالأحبة من اليهود" (سيرة ابن هشام) .
- إنَّ عَدَاءَ الْيَهُودِ للإِسْلامِ وَأَهْلِهِ لَيْسَ بِدْعًا وَلا حَدَثًا، بَلْ عَدَاءٌ قَدِيمٌ وَحِقْدٌ دَفِينٌ: قال -تعالى-: ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) (المائدة: 82) .
- وتِلْكَ الْعَدَاوةُ لَيْسَتْ جُغْرَافِيَّةً وَلا تَارِيخِيَّةً، وَإِنَّمَا هِيَ عَدَاوَة دِينِيَّة عَقَدِيَّة: قال الله -تعالى-: ( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) (البقرة: 120) .
- إن هذه الغزوة وغيرها من الوقائع والأحداث تكشف لنا خبث اليهود وحقدهم، ونقضهم للعهود ومخالفتهم للاتفاقيات؛ فهؤلاء قوم لا يفهمون لغة الحوار ولا السلام، وإنما يفهمون لغة واحدة هي لغة السلاح والقوة، فالواجب على المسلمين أن يأخذوا بأسباب القوة، كما أمر الله -تعالى-: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ) (الأنفال: 60) .
فاللهم عليك باليهود ومَن عاونهم، وانصر المسلمين عليهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد نقض بنو قريظة العهد في أصعب موقف، وأشد ساعة، ولو أن مظاهرة اليهود للمشركين، وخيانتهم للمسلمين تمت على ما أرادوا، ودخل المشركون المدينة، وتمكن اليهود من نساء المسلمين وأطفالهم لأبادوهم عن بكرة أبيهم؛ لكن سلَّم الله -تعالى- المؤمنين، ورد المشركين، وأنزلت العقوبة الشرعية بالخونة الغادرين، والمسلم لا يجد حرجًا في نفسه من حكم الله -تعالى-؛ فإنه يتذكر حال اليهود وهم يُقتلون، حال المسلمين لو تمكَّن منهم المشركون بسبب خيانة اليهود، ولمَن في قلبه أدنى حرج من ذلك عبرة وعظة فيما يفعله اليهود في أهل فلسطين، من الغدر والخيانة، ونقض العهد، وقصد الآمنين والنساء والأطفال بالقتل والترويع، وهدم الدور على أصحابها، ولا يكاد يمر يوم دون أن يقتلوا نساءً وأطفالًا. فتبًّا لقوانين وضعية توجد حرجًا في قلوب بعض المسلمين من شريعة الله -تبارك وتعالى-، ونعوذ بالله تعالى من الزيغ والضلال، ومن الاستدراك على الشريعة الغراء، ونسأله -سبحانه- أن يرزقنا الرضا والإذعان، والقبول والتسليم، إنه سميع قريب.
