شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فضل الشهيد وأجره في القرآن الكريم

الشيخ علاء بكر • التزكية

وقد أكَّد الله -تعالى- ذلك في آية أخرى، فقال -تعالى-: ( وَلَا تَقُولُوا ‌لِمَنْ ‌يُقْتَلُ ‌فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ) (البقرة: 154) ، فحقيقة الأمور لا يعلمها إلا الله -تعالى-، وهناك حقيقة تتعلق بالشهيد أنه قد رفع إلى منزلة عالية فوق كل تصور وإدراك، وإن كنا لا نشعر بها؛ فالحس الإنساني والشعور الآدمي أضعف وأقصر من أن يدرك تلك الحقيقة وهذا الأجر؛ لذا قال -تعالى-: ( وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ )، فإذا كان كل من مات من غير الشهداء هو في قبره في مرحلة برزخية بين الحياة الدنيا وبين حياة الآخرة، لها خصائصها؛ فللشهيد بين الحياة الدنيا وبين حياة الآخرة حياة برزخية، لكن لها خصائصها التي تختلف تمامًا عن غيرها، فـ(الناس يموتون فتفارق أرواحهم أجسادهم، ثم يدرجون في قبورهم، فتتحلل أجسادهم إلى ترابيتها وعناصرها الأولية، ثم يكونون بين صالح وطالح، أما الصالحون فإنهم في قبورهم في روضة من رياض الجنة، وأما الطالحون من المشركين والكافرين ومَن لف لفهم ونسج على منوالهم، فإنهم في رموسهم (أي: قبورهم) في حفرة من حفر النار)، إلى نفخة الصور، فإذا هم جميعًا من الأجداث إلى ربهم ينسلون، ثم يقفون بين يدي ربهم مسئولين، فمن أخذ كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا، ومن أخذ كتابه بشماله فسوف يحاسب حسابًا عسيرًا، لكن (هذه الرقدة لا يعانيها ولا يعايشها الشهيد مهما كان لونها، بل هو حي حياته الأبدية خالدة، وانتقاله من الدنيا إلى الآخرة تختلف من حيث الجزاء عن غيره من الناس، إلا الصورة الحتمية الأولى، وهي مفارقة الروح للجسد؛ لأنها القانون العام والناموس الشامل)، قال الله -تعالى-: ( ‌كُلُّ ‌نَفْسٍ ‌ذَائِقَةُ ‌الْمَوْتِ ) (آل عمران: 185 ) .

أما (الحكم اللفظي الذي ينطق به الأحياء على من يفارق الدنيا، وهو قولنا: قد مات فلان... ينبهنا الله -تعالى- إليه في حق الشهيد، فيقول: ( وَلَا تَقُولُوا ‌لِمَنْ ‌يُقْتَلُ ‌فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ) (البقرة: 154) ، فلا يصح القول بأنهم أموات... بل شهداء)، (ولا يشهد إلا الحي).

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرح (كتاب الجهاد) من رياض الصالحين للنووي: (وهذه الحياة البرزخية لا نعلم بها وليست كحياتنا، ولهذا قال -تعالى-: ( وَلَا تَقُولُوا ‌لِمَنْ ‌يُقْتَلُ ‌فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ) (البقرة: 154) ، حياة ما يعلم بها، يعني لو فتحت على قبره لوجدت الإنسان ميتًا، لكنه عند الله يرزق، يأكل من الجنة بكرة وعشية) (انظر: شرح رياض الصالحين، لمحمد بن صالح العثيمين، المجلد الثالث) .

إنها حياة غيبية تمتاز بها أرواح الشهداء على سائر أرواح الناس، بها يرزقون ينعمون، ولكن لا نعلم حقيقتها، ولا حقيقة الرزق الذي يكون بها، ولا نبحث عن ذلك؛ لأنه من عالم الغيب الذي نؤمن به، ونفوض الأمر فيه إلى الله -تعالى-.

قال بديع الزمان النورسي -رحمه الله-: (إن للشهداء طبقة من الحياة فوق حياة أهل القبور بنص القرآن، نعم... إن الله -تعالى- يحسن إلى الشهداء من كمال كرمه في عالم البرزخ بحياة تشبه الحياة الدنيا، ولكنها حياة بغير كدر ولا ألم؛ ذلك لأنهم ضحوا بحياتهم الدنيا في سبيل الحق، وإنهم لا يعلمون أنهم ماتوا، ولكن يعلمون أنهم ارتحلوا إلى عالم أحسن، فيتنعمون بكمال السعادة ولا يشعرون بما في الموت من ألم الفراق.. وإن أهل القبور وإن كانت أرواحهم باقية؛ إلا أنهم يعلمون أنهم ماتوا، فلا يصل ما يذوقون من اللذة والسعادة في عالم البرزخ إلى درجة لذة الشهداء).

2- إن الشهيد عند ربه الآن يرزق: قال الله -تعالى- عن الشهداء: ( عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )، فإذا كان الناس في الدنيا يرزقون، فليس رزق الدنيا كرزق الآخرة في الجنة -بعد البعث والنشور- لمن يناله ويستحقه، ولكن رزق الشهيد يسبق رزق غيره من الصالحين؛ إذ هو عند ربه بعد قتله شهيدًا ضيفًا من حيث النزل والإكرام، يرزق من الخيرات من نعيم لا ينقطع ولا يزول حتى قيام الساعة والبعث والنشور، فالشهيد عند ربه ضيفًا مكرمًا؛ لذا فالرزق مفتوح، والعطاء غير ممنون، متدفق من غير انقطاع، موصول بغير انتظار، حاضر من غير سعي، سهل من غير شقاء، بلا حدٍّ أو كمية، لا يخضع هذا الرزق للضرورة والاقتضاء، ولكن للتمني والاشتهاء.

إن كل قطرة دم تشهد للشهيد، وتأتي على ما سلف وانقضى في حياته، فيغطي بدنه اللون الأحمر، اللون لوم الدم، ولكن الريح ريح المسك؛ هذا للبدن، أما الأرواح فكما جاء في الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في صفة الشهداء: ( ‌أَرْوَاحُهُمْ ‌فِي ‌جَوْفِ ‌طَيْرٍ ‌خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) ، فأهل القبور وإن كانت أرواحهم باقية بعد الموت، وقد يتنعم المؤمنون منهم بنعيم في القبر في عالم البرزخ، لكن لا يبلغ نعيمهم هذا نعيم الشهداء بعد الموت.

فائدة: أورد ابن كثير في تفسيره: حديث كعب بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّمَا ‌نَسَمَةُ ‌الْمُؤْمِنِ ‌طَائِرٌ ‌يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يُبْعَثُ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) ، ثم قال: (وفي هذا الحديث: أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة، أما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عمومه المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها). وقد أورد ابن القيم هذا الحديث وتكلَّم عليه في كتابه: "الروح".

الصفحة السابقة الصفحة التالية