شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فضل الشهيد وأجره في القرآن الكريم

الشيخ علاء بكر • التزكية

3- إن الشهيد يتنعم الآن بفرحة غامرة: قال الله -تعالى-: ( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ )، والفرحة حالة عالية من الرضا النفسي؛ فما بالك إذا كانت فرحة الشهيد تلك بين يدي الله -تعالى-؟! وما بالك إذا كان سببها رضا الله -تعالى- عن هذا الشهيد، والباعث لها فضل الله ونعيمه على الشهيد؟! فلا شك أنها فرحة غامرة تملأ كل جنبات النفس، ولا تضاهيها أي فرحة أخرى، وهي فرحة دائمة، لا يتسرب الحزن أو الأسى للنفس بعدها أبدًا.

إن رزق الدنيا مهما زاد وكثر وكان وفيرًا، فسيأتي عليه زمان قطعًا ويزول وينتهي، أما رزق الآخرة هذا فلا ينتهي، ( ‌مَا ‌عِنْدَكُمْ ‌يَنْفَدُ ‌وَمَا ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ ‌بَاقٍ ) (النحل: 96 ) ، بل هو في ازدياد، قال الله -تعالى-: ( ‌وَيَزِيدُهُمْ ‌مِنْ فَضْلِهِ ) (النساء: 173 ) .

4- إن الشهيد يستبشر بالذين من بعده: وفي اللغة: بشرته: أخبرته بسارٍّ بسط بشرة وجهه. وبشر فلانًا بالأمر: فرحه به. واستبشر: إذا وجد ما يبشره من الفرح. قال -تعالى-: ( يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ )، وقال -تعالى-: ( ‌وَجَاءَ ‌أَهْلُ ‌الْمَدِينَةِ ‌يَسْتَبْشِرُونَ ) (الحج: 67) . وقال الله -تعالى- في فضل الشهداء: ( وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ).

فالشهداء يستبشرون، وهم في نعيمهم ينتظرون مَن بعدهم مِن المجاهدين، ويستعدون ويتهيؤون لهم ليقتربوا من مصاف الشهداء، ويتبوؤون معهم الصدارة؛ فالشهداء وقد عاينوا ما هم فيه من النعيم ورأوا قلة الحياة الدنيا، وتبيَّن لهم بلا شك أنه مهما تنعم المرء في الحياة الدنيا فلن يبلغ منزلة الشهيد عنده -تعالى-؛ لذا يتمنون أن يعلم مَن ورائهم مِن أهل الدنيا ما هم فيه. فلسان حال الشهداء يقول: ألا خوف عليكم يا معشر أبناء الحياة الدنيا من لحظة الفراق... من الشهادة في سبيل الله... فما عند الله خير وأبقى.

فليعلم المجاهد في سبيل الله -تعالى- وهو يكابد في ميدان القتال، أنه لا خوف عليه من ترك الدنيا بالموت، ولا في القدوم على الآخرة، ولا يحزن على ما قد يكون فاته من نعيم الدنيا وأهلها ومقتنياتها، ولا يخشى من آلام القتل وشدته، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( ‌مَا ‌يَجِدُ ‌الشَّهِيدُ ‌مِنْ ‌مَسِّ ‌القَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ القَرْصَةِ ) (رواه الترمذي، وقال الألباني: حديث حسن صحيح) . وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( ‌وَالَّذِي ‌نَفْسُ ‌مُحَمَّدٍ ‌بِيَدِهِ ‌لَوَدِدْتُ ‌أَنْ ‌أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ ) (رواه مسلم) .

وقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( ‌لَمَّا ‌أُصِيبَ ‌إِخْوَانُكُمْ ‌بِأُحُدٍ ‌جَعَلَ ‌اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ، وَمَشْرَبِهِمْ، وَمَقِيلِهِمْ، قَالُوا: مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا، أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلَا يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ، فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ )، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) (آل عمران: 169) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .

قال ابن كثير في قوله -تعالى-: ( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ): (أي: الشهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم، ولا يحزنون على ما تركوه ورائهم)، وذكر ابن كثير في تفسيره: أنه قد ثبت في الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قُتِلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو على الذين قتلوهم ويلعنهم، قال أنس: "وَنَزَلَ ‌فِيهِمْ ‌قُرْآنٌ ‌قَرَأْنَاهُ ‌حَتَّى ‌رُفِعَ: أنْ بَلغُوا عَنّا قَوْمَنا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنّا وأرْضَانا" (انظر: تفسير ابن كثير) .

الصفحة السابقة