شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزة رمز للعزة (2) الحروب الإسرائيلية على غزة

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمنذ أن تولت حركة حماس -التي ترفع شعار المقاومة- الحكم في قطاع غزة، سارعت إسرائيل إلى العمل على إضعافها والسعي إلى القضاء عليها، واتخاذ المواقف العدائية تجاهها، بفرض الحصار عليها، والسعي لكسب التأييد الدولي لعزل حماس، مع عرقلة تواصل المفاوضات بين الفلسطينيين، وامتنعت كذلك عن مواصلة الانسحاب من الضفة الغربية خشية سيطرة حماس عليها، كما حالت بين حماس وبين السيطرة على أي معبر لغزة، وسرعان ما تطورت الأمور إلى التصعيد الإسرائيلي الميداني من خلال سياسة الاغتيالات والاعتقالات والاجتياحات للقطاع، وإظهار التعنت والشدة في التعامل مع الفلسطينيين عامة وقطاع غزة خاصة، والتمادي في إلحاق الأضرار البالغة بهم، وفي خطوة لا مثيل لها عمدت إلى اعتقال وزراء ونواب من حماس، والتهديد بتصفية رئيس حكومتها (إسماعيل هنية).

وبلغ الأمر ذروته بقيام إسرائيل في تحدٍّ سافر بشن ثلاثة حروب عنيفة على القطاع في أعوام 2008 و2012 و2014 لتوجيه ضربات عسكرية موجعة مباشرة ضد حركة حماس للقضاء عليها، ولزعزعة ثقة سكان قطاع غزة خاصة وسائر الفلسطينيين عامة في قدرة حماس على مواجهة إسرائيل، وفي قدرتها على حماية الفلسطينيين ومصالحهم الحيوية في قطاع غزة.

الحرب الإسرائيلية الأولى عام 2008:

أطلقت إسرائيل على هذه الحرب اسم: (الرصاص المصبوب)، وأطلقت حماس على مواجهتها اسم (حرب الفرقان)؛ كان الغرض الأساسي للقوات الإسرائيلية إنهاء إطلاق حماس لصواريخها من غزة على جنوب إسرائيل والمستوطنات بطريقة رادعة، بينما كان غرض حماس من التصدي لهذا العدوان إفشال العدوان، ورفع الحصار المفروض فعليًّا على قطاع غزة.

بدأ العدوان الإسرائيلي بعد انتهاء تهدئة بين إسرائيل وحماس تم الاتفاق عليها برعاية مصرية في يونيو 2008 تعهدت فيها حماس والفصائل الفلسطينية بالامتناع عن إطلاق صواريخها على المستوطنات والمدن الإسرائيلية، في مقابل قيام إسرائيل برفع الحصار عن غزة وفتح المعابر والامتناع عن أعمالها العدائية.

رفضت حماس مد التهدئة عقب انتهاء مدتها؛ نظرًا لأن إسرائيل لم تفِ بتعهداتها -كالعادة- برفع الحصار وفتح المعابر طوال مدة التهدئة السابقة، بل قامت بـ(162) اختراق للهدنة بمبررات واهية أو بدون؛ كان أشدها القيام بغارة جوية على قطاع غزة أسفرت عن مقتل 6 من المسلحين من حماس؛ بالإضافة إلى الاعتداءات المتكررة ضد الصيادين الفلسطينيين واعتقال مدنيين فلسطينيين؛ لذا قامت حماس والفصائل الفلسطينية بعد انتهاء فترة الهدنة في يوم الجمعة 19 ديسمبر بإطلاق صواريخ وقذائف هاون على المستوطنات الإسرائيلية وعلى جنوب إسرائيل ردًّا على تجاوزات إسرائيل السابقة، وقابلت إسرائيل ذلك بالتهديد بالقيام بعملية عسكرية ضد القطاع.

ورغم المساعي الدولية والمصرية للتهدئة ومنع العدوان الإسرائيلي، قامت إسرائيل يوم السبت 27 ديسمبر 2008 -وهو يوم راحة في الديانة اليهودية- بشن عدوان وحشي على قطاع غزة استمر حتى يوم 18 يناير 2009، في مواجهة غير متكافئة بين قوات الجيش الإسرائيلي المدعومة جوًّا وبحرًا وبين حماس والفصائل الفلسطينية المسلحة محدودة الإمكانيات؛ تعمدت القوات الإسرائيلية خلالها قتل المدنيين الفلسطينيين العزل، وتدمير البنية التحتية لقطاع غزة.

بدأ العدوان بقيام 80 طائرة إسرائيلية بقصف مكثف لأهداف حددتها، منها: المقار الأمنية لحماس، والأماكن التي يتوقع أن فيها يتم إنتاج الصواريخ أو إطلاقها، إلى جانب أهداف مدنية كانت منها منشآت صحية ومستشفيات، ومقر الهلال الأحمر الفلسطيني، والجامعة الإسلامية في غزة، والمدارس، والمنازل، والمساجد. وبوحشية مفرطة استعملت القوات الإسرائيلية قنابل الفسفور الأبيض الحارقة المحرمة دوليًّا، التي تصيب مَن يتعرض لها بحروق مؤلمة وقاتلة، مع استخدام مادة اليورانيوم المخففة، حيث وجد لها آثار في أماكن تم الهجوم عليها في العدوان، مما أسفر عن استشهاد أكثر من 420 فلسطينيًّا وجرح أكثر من 2000 آخرين معظمهم من المدنيين والأطفال والنساء.

وفي اليوم الثامن من العدوان قامت القوات الإسرائيلية باجتياح بري موسع للقطاع مدعومة بطائرات الأباتشي وطائرات (إف 16)، وطائرات الاستطلاع، ودبابات (الميركافا)، مع القصف الذي شنته البوارج البحرية الإسرائيلية على طول الخط الساحلي لقطاع غزة على البحر الأبيض المتوسط.

وفي المقابل: تصدت حماس والفصائل الفلسطينية للقوات المهاجمة برًّا، كما أطلقت صواريخها القصيرة والمتوسطة المدى على جنوب إسرائيل والمستوطنات، وفي الأسبوع الرابع من العدوان أوقفت إسرائيل إطلاق النار، فأعلنت الفصائل الفلسطينية هدنة لمدة أسبوع كمهلة لانسحاب القوات الإسرائيلية، لتنتهي أحداث المعركة العسكرية.

وإلى جانب الخسائر المادية الفادحة في قطاع غزة نتيجة العدوان الغاشم، فقد استشهد 1417 فلسطينيًّا، وجرح 4336 آخرين، بينما اعترفت إسرائيل بمقتل 10 إسرائيليين، ومقتل 30 من المدنيين، وجرح 400 آخرين.

الحرب الإسرائيلية الثانية عام 2012:

أطلقت إسرائيل على هذه الحرب اسم: (عامود السحاب)، بينما أطلقت حماس على مواجهتها اسم: (حجارة السجيل)؛ جاء العدوان عقب إطلاق كتائب القسام الجناح العسكري لحماس صواريخها على جنوب إسرائيل ردًّا على اغتيال إسرائيل لـ(أحمد الجعبري) أحد أكبر قادة كتائب القسام، وهو يقود سيارته في وسط مدينة غزة، وقع هذا الاغتيال رغم وجود اتفاق تهدئة بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية برعاية مصرية.

بدأ العدوان يوم 14 نوفمبر 2012 واستمر لمدة 8 أيام دون قيام إسرائيل باجتياح بري للقطاع، ورغم الإعلان عن استدعاء 75 ألف جندي احتياط إسرائيلي، وحشد آلياتها العسكرية على حدود القطاع الشرقية. قصفت القوات الإسرائيلية ورش لتصنيع الصواريخ ومنصات إطلاق لها ومخازن للأسلحة، والأنفاق المستخدمة في تهريب الأفراد والبضائع التي رصدتها إسرائيل، إلى جانب قصف مبانٍ حكومية ومؤسسات، ومدارس ومنازل، ومساجد، وقد استخدمت في القصف قنابل ثقيلة من وزن طن؛ مما تسبب في مجازر بشعة أودت بعائلات فلسطينية بأكملها.

الصفحة التالية