غزة رمز للعزة (3) محاولات تهويد القدس والاعتداء على المسجد الأقصى
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
يزعم اليهود أن سليمان -عليه السلام- وهو عندهم ملك من ملوك بني إسرائيل لا نبي من أنبيائهم، بنى هيكلًا لذبح وتقديم القرابين، ويدعي اليهود كذبًا وزورًا أن مكان الهيكل هو مكان المسجد الأقصى، وعليه يريدون هدم المسجد لإعادة بناء الهيكل المزعوم مكانه؛ لذا تقوم جماعة (أمناء الهيكل) التي أسست لهذا الأمر بعمل حفريات بحثًا عن بقايا الهيكل المزعوم، وقد بدأت الحفريات في البيوت والمدارس في وحول منطقة المسجد، ثم سرعان ما امتدت منذ عام 1968 إلى أسفل أساس المسجد الأقصى.
وجماعة أمناء الهيكل جماعة يمولها مليونير أمريكي من المسيحيين الأصوليين الموالين للصهيونية ممن يعتقدون في نبوءة تزعم أن المجيء الثاني للمسيح سيعقب قيام دولة لليهود في فلسطين وإعادة بناء هيكل سليمان؛ لذا فهم يدعمون حاليًا بكل قوة مادية ومعنوية الصهيونية العالمية ودولة إسرائيل وفكرة إعادة بناء الهيكل، ويروجون لنبوءتهم المزعومة، وقد بنت هذه الجماعة مدرستين قرب حائط البراق لتدريب طلاب من اليهود على شعائر تعبدية خاصة بالهيكل، بل وقامت بوضع حجر أساس للهيكل المزعوم في عام 1989 في احتفالية دينية قامت بها جماعة الهيكل وبمساندة من المؤسسات الدينية في إسرائيل، بل وتولت تصميم نماذج للهيكل المزعوم ونشرها.
وقد قامت هذه الجماعة بحفر نفق طويل وعميق تحت المسجد الأقصى، وأنشأت بداخله معبدًا يهوديًّا، وأقامت حوله مدارس دينية وكنس (معابد) يهودية لصبغ المكان بالصبغة اليهودية، رغم قرارات الإدانة الدولية لهذا التهويد المستمر للأرض المحتلة، وما زالت إسرائيل مستمرة في عمليات الحفر تحت المسجد الأقصى والتي صارت تهدد وبصورة متزايدة بقاء المسجد الأقصى وتنذر بقرب انهياره.
وقد حاول أحد اليهود الصهاينة المتطرفين إحراق المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969، مما تسبب في إحراق منبر صلاح الدين الأيوبي الأثري، واشتعال النار في سطح المسجد الجنوبي وسقف ثلاثة من الأروقة، وكادت أن تأتي الحرائق على قبة المسجد، وقد أعقب هذا العمل الإجرامي صدور قرار إدانة لإسرائيل من مجلس الأمن، وقد أعلنت سلطات الاحتلال أن الشاب الذي قام بحرق المسجد سيقدم للمحاكمة ثم ادعت أنه معتوه، وأطلقت سراحه بعد ذلك.
إن السعي لهدم المسجد الأقصى لإقامة هيكل سليمان عقيدة يتبناها الصهاينة، ويوافقهم عليها ويشاركهم فيها ملايين من النصارى البروتستانت الإنجيليين خاصة في أمريكا، وقد تكونت هناك الكثير من الجمعيات الصهيونية والبروتستانتية التي تبشر بذلك وتدعو له، وقد جمعت الأموال الضخمة من رعاياها لتمويل ودعم وتنفيذ فكرة هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم، وهي تؤيد وتدعم تهويد القدس إعلاميًّا وسياسيًّا، وقد امتد نشاط أتباع هذا المعتقد ليشمل من لهم نفوذ قوي في السياسة الأمريكية في الحزب الجمهوري وفي اليمين الأمريكي المحافظ.
ومن أشهر هذه الجمعيات والمؤسسات:
- مؤسسة جبل الهيكل المسيحية الأمريكية: أسسها المليونير (تيري ريزنهوفر)، الذي قدَّم تبرعات بمبالغ كبيرة لمنظمة الهيكل المقدس اليهودية، بغرض العمل على تحقيق النبوءة المزعومة بشأن بناء الهيكل الثالث، وتساهم هذه المؤسسة في بناء المستوطنات الصهيونية، بداية من توفير الأراضي اللازمة إلى دعم مشروع إعادة الهيكل.
- السفارة المسيحية في القدس: أنشأتها الطائف الإنجيلية عام 1980 في القدس، وتتبعها 15 قنصلية في أمريكا، وتقوم بأنشطة للدعاية لصالح إسرائيل في وسائل الإعلام، وتقوم كذلك بتشجيع الأمريكيين على زيارة الأماكن اليهودية في فلسطين بزعمهم، وتقديم الخدمات السياحية لهم، وقد أعدت شريطًا مصورًا يتضمن مخطط إعادة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى.
- هيئة المائدة المستديرة الدينية: وتضم الهيئة عددًا من المنظمات ذات التوجه اليميني، ولها نشاط في غاية السرية لدعم وتأييد إسرائيل لدى اليمين المسيحي الأمريكي.
- منظمة الأغلبية الأخلاقية: تأسست عام 1979، لها توجه ديني سياسي، ولها برنامج إذاعي لمدة ساعة يوميًّا باسم: (ساعة الإنجيل) تبثه مئات المحطات الإذاعية في أنحاء العالم، كما لها مجلة دورية باسم: (صوت النصرانية)، وتنظم رحلات دورية إلى الأراضي اليهودية -بزعمهم- في فلسطين.
- فريق الصلاة لأورشليم، وهي منظمة تؤمن بنبوءة إعادة بناء الهيكل؛ لذا تقدم الدعم لتهويد القدس وتراه واجبًا دينيًّا.
- مؤسسة التعاون اليهودي المسيحي.
تزايد الاعتداءات على المسجد الأقصى والجهر بالمطالبة في المشاركة عليه:
شهدت العقود الماضية خطوات عديدة للاستيلاء والسيطرة على المسجد الأقصى من المستوطنين المتطرفين، رغم مخاوف قادة الحكومات الإسرائيلية من رد فعل العالم الإسلامي والعربي، وإن بدأ هذا التخوف يتلاشى ليتحول إلى تغاض متعمد عن ممارسات هؤلاء المستوطنين، بل وإلى تشجيع وحماية لهم، مما يعد إنذارًا واضحًا لكل ذي عينين عن طبيعة التوجه الحالي سياسيًّا وشعبيًّا في إسرائيل نحو تحقيق الأطماع الصهيونية في هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه، فلم يعد الأمر مجرد نية وأمنية فقط، بل قطعت الأشواط نحو التنفيذ المتدرج واقتربت معه من خطوته الأخيرة.
ولقد شهد المسجد الأقصى محاولات كثيرة لفرض المشاركة اليهودية في المسجد على الفلسطينيين، ومنها:
- فتح نفق إسرائيلي تحت بناء المسجد الأقصى في عام 1996، والاعتداء بالقوة على المتظاهرين الفلسطينيين المحتجين على فتحه؛ مما أسفر عن استشهاد 14 فلسطينيًّا وجرح العشرات، ويسعى اليهود إلى بناء مجمع سياحي وتجاري في ساحة حي المغاربة لتشجيع زيارة اليهود للمكان وجلب الأنظار إليه.
- إصدار فتوى تحث اليهود على الحج إلى جبل الهيكل -حيث المسجد الأقصى- رغم مخالفة تلك الفتوى لما عليه الشريعة اليهودية من منع عامة اليهود سوى الكاهن الأكبر من زيارة جبل الهيكل قبل تطهيره برماد البقرة الحمراء المقدسة عندهم خشية وطء أقدام اليهود مكان قدس الأقداس من الهيكل المزعوم الذي تم تدميره منذ أكثر من 1900 سنة. والغرض من تلك الفتوى: التمهيد لإدخال اليهود لساحة المسجد الأقصى ومشاركة المسلمين فيه تمهيدا للاستيلاء عليه.
