شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزة رمز للعزة (4) المستوطنات الإسرائيلية وسياسة فرض الأمر الواقع

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتقوم أنشطة سلطات الاحتلال الصهيوني على محورين لتقوية قدرتها على ابتلاع أرض فلسطين، هما:

- تزايد أعداد المهاجرين اليهود من شتى بقاع العالم إلى أرض فلسطين، مع تناقص نسبة الوجود العربي الفلسطيني فيها.

- تزايد بناء المستوطنات الصهيونية؛ خاصة في الجزء الشرقي من مدينة القدس، وفي الضفة الغربية.

ومن المعلوم أن التواجد اليهودي في فلسطين في القرون الميلادية الوسطى كان محدودًا جدًّا رغم كل ما عناه اليهود من اضطهاد في أكثر من دولة أوروبية، وهذا الاضطهاد في الغالب ناتج عن أفعال اليهود الإجرامية وغير الأخلاقية مما يكره الشعوب فيهم؛ إذ كان وجودهم لا يزيد عن بضع مئات من الأشخاص وفقًا لتقديرات الرحالة الغربيين الذين زاروا الأماكن المقدسة بين القرنين الثاني عشر والقرن الخامس عشر. وعندما تعرَّض اليهود لاضطهاد الإسبان وحدثت هجرة جماعية كبيرة لليهود من إسبانيا إلى خارجها، انتقل نفر قليل من هؤلاء اليهود الإسبان إلى فلسطين؛ إذ انتقلت الغالبية منهم إلى دول أوروبية أخرى، وإلى بلاد البلقان.

وحتى عام 1880 وقبل ظهور الحركة الصهيونية في أوروبا لم يكن يوجد في فلسطين إلا نحو 25 ألف يهودي من أصل سكان فلسطين وقتها، والبالغ تعدادهم آنذاك 600 ألف نسمة، وأكثر هؤلاء اليهود كانوا من اليهود العرب لا من اليهود الأوروبيين.

وقد ارتبطت بدايات الهجرة اليهودية الجماعية إلى فلسطين في مطلع القرن العشرين الميلادي بإقامة مستوطنات (مستعمرات) لتوطين اليهود فيها، أي: أن هذه الهجرة أخذت شكل التملك والاستيطان وطابع التهويد؛ إذ قام اليهود القائمون عليها بتهويد الملكية ورأس المال والأيدي العاملة، كما منعت أيضًا الوكالة اليهودية هؤلاء اليهود المهاجرين إلى فلسطين ويعيشون في تلك المستوطنات من بيع أراضيها مطلقًا، كما قصرت العمل في مشروعاتها الزراعية فيها على اليهود دون غيرهم.

بدأت الموجة الأولى من الهجرة اليهودية الجماعية إلى فلسطين بين عامي: 1882 و1904 برعاية البارون اليهودي ورجل الأعمال (أدمون دو روتشيلد) ثم برعاية البارون (موريس دو هيرش)، إذ تزعَّم هؤلاء اليهود من رجال الأعمال في تلك الفترة إنشاء مستعمرات لليهود في فلسطين.

فالاستيطان إذًا هو السلاح القديم الذي استخدمه اليهود قبل وبعد الحركة الصهيونية لتثبيت التواجد اليهودي في أرض فلسطين؛ سواء قبل أو بعد عام 1948، أي: قبل قيام دولة إسرائيل وبعدها، وهو أيضًا ما زال سلاحها حاليًا لتثبيت التواجد اليهودي المحتل في فلسطين، فالاستيطان هو إستراتيجية صهيونية أساسية قديمة، إن الاستيطان هو الصهيونية.

مستعمرات لا مستوطنات:

ومما ينبغي التنبه إليه أن اسم (مستعمرة) أو (مغتصبة) هو الأقرب في الدلالة من اسم (مستوطنة)؛ إذ إن كلمة مستوطنة تعني اتخاذ المكان وطنًا، وهي كلمة لها دلالة تاريخية عند الغرب الأوروبي، إذ تعني أن هناك أرضًا بلا شعب أو سكان يتخذها المستوطنون وطنًا لهم، وهو ما تحرص الحركة الصهيونية على الترويج له منذ أن وطأ اليهود بأقدامهم أرض فلسطين في العصر الحديث، أما كلمة مستعمرة فهي تعني عند الغرب الأوروبي الاستيلاء والسيطرة، وفي عالمنا العربي وفي دول العالم الثالث فتتعلق كلمة -مستعمرة- بمعنى الاستعمار البغيض، وهو يتمشى تمامًا مع أطماع اليهود الصهاينة في أرض فلسطين، ويوافق بلا مواربة الغرض من قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، فإسرائيل دولة استعمارية عنصرية زرعها الغرب ورعاها في المنطقة العربية لتحقيق مصالح الغرب في المنطقة.

وخلال العقود الخمس الماضية عقب حرب يونيو 1967 قامت سلطات الاحتلال الصهيونية ببناء المئات من المستعمرات بناءً على اتفاق ضمني بين مختلف الأحزاب الإسرائيلية بما فيها حزب العمل الإسرائيلي، لإغلاق الباب في وجه العودة إلى حدود ما قبل حرب يونية 1967؛ خاصة في القدس الشرقية.

ومما ينبغي التنبُّه إليه إن:

- هذه المستوطنات ليست مشروعات استثمارية لها جدوى اقتصادية، لكنها وسيلة صهيونية قديمة حديثة ينفق عليها مليارات الدولارات للاستيلاء عن طريقها على الأراضي الفلسطينية، واستخدامها كورقة ضغط إسرائيلية في أي مفاوضات قد تضطر إسرائيل للدخول فيها، فيمكن من خلال تواجد هذه المستوطنات الحصول على أكبر قدر من الأراضي العربية الفلسطينية.

- هذه المستوطنات ما هي إلا بؤر عسكرية، إذ تتسم منذ بداية نشأتها بالطابع العسكري، لكونها تزرع في وسط التكتلات السكانية الفلسطينية بغية إحداث التغيير السكاني المطلوب بزيادة الكثافة السكانية اليهودية في الأراضي ذات الكثافة السكانية الفلسطينية العالية، سواء في القدس الشرقية أو في الضفة الغربية؛ لذا تعد تلك المستوطنات اليهودية حصون عسكرية، تعادي كل ما هو فلسطيني يحيط بها، وهي تقام من أول يوم لها وطوال فترة بقائها في حماية سلطات الاحتلال الإسرائيلية، لأنها تفرض فرضًا على واقع الأرض الفلسطينية رغم الرفض الفلسطيني لها، إذ تقام على أرض الفلسطينيين المغتصبة منهم غصبا.

- هذه المستوطنات تغطي مختلف الأراضي العربية الفلسطينية والعربية المحتلة خاصة في القدس الشرقية وفي الضفة الغربية وفي الجولان، بل كانت هناك عدة مستوطنات يهودية في أرض سيناء خلال احتلال إسرائيل لها، ثم أجبر سكانها على الخروج منها بعد نهاية الاحتلال، وكذلك كانت هناك مستوطنات يهودية داخل قطاع غزة، ثم أجبر سكانها على الخروج منها أيضًا عند الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.

- هذه المستوطنات تمثل شبكة استيطانية تتواصل فيما بينها من جهة، وتساهم بنظام توزيعها في تقسيم وفصل وعزل الأراضي والأجزاء العربية عن بعضها البعض من جهة أخرى، فينقطع التواصل بين هذه الأجزاء العربية وتتحول هذه المدن والقرى الفلسطينية إلى مناطق معزولة محاصرة منفصلة عن الأجزاء العربية الأخرى، ولا يستطيع الفلسطينيون الانتقال بحرية منها وإليها، بل يعيشون محاصرين داخلها، إذ تفصل بين هذه الأراضي العربية المنقسمة المستوطنات اليهودية والطرق المؤدية إليها وتربط بينها، وتتحكم في عشرات البوابات ونقاط التفتيش والحواجز الإسرائيلية.

الصفحة التالية