شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

كيف نستقبل رمضان؟ (1) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة: أهمية الاستعداد لاستقبال شهر رمضان:

- الكل يستشعر قرب إقبال رمضان، ولكن هل أعددنا أنفسنا لإقباله واستقباله؟ سأل رجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ( وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟) (متفق عليه) .

- سيد الصائمين -صلى الله عليه وسلم- كان يستعد لرمضان بكثرة الصيام في شعبان: قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ" (متفق عليه) .

- فجدير بالمؤمنين أن يتواصوا على تحصيل أعلى درجات الفوز بهذا الجود الإلهي، بحسن الاستعداد، فهم أولى بذلك مِن دعاة الباطل، واللهو والفجور، الذين يزداد عملهم وجهدهم في الاستعداد لهذا الشهر: قال الله -تعالى-: ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) (الليل:4) .

- تنبيه: إذا كنت تنتظر ضيفًا عزيزًا، فهناك أمور تقوم بها قبل حضوره ، وأمور تقوم بها عند حلوله، ولنبدأ بالأمور التي تكون قبل حلوله.

أولًا: استشعار فضل موسم رمضان:

- استشعار فضائل رمضان من أعظم الأسباب في حسن استقباله "الذي لا يعرف الذهب لا يعرف قيمته": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أ َتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .

قال ابن رجب -رحمه الله-: "هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بشهر رمضان؛ كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟! كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران؟! كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان؟!".

- ولِمَ لا.. وهو خير الشهور؟!: فلسان حال الشهور معه كحال إخوة يوسف -عليه السلام- معه: ( تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا ) (يوسف:91) .

- ولِمَ لا.. وقد سبق من أدرك رمضان المجاهد الشهيد؟!: فعن طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِىٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَكَانَ إِسْلاَمُهُمَا جَمِيعًا فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ ثُمَّ مَكَثَ الآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّىَ. قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِهِمَا فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّىَ الآخِرَ مِنْهُمَا ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَىَّ فَقَالَ ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ. فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ فَعَجِبُوا لِذَلِكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ: ( مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ )؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ وَدَخَلَ هَذَا الآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : ( أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً )؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ( وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ )؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : ( فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

ثانيًا: مطالعة أسرار الصيام وحِكَمِه:

- إن الله -تعالى- شرع الصيام لفوائد جمة، وأسرار وحكم عظيمة؛ إذا تدبرها المسلم أقبل على صيام رمضان في سعادة إيمانية عالية، فمن هذه الحكم، والغايات ما يلي:

- الصيام وسيلة لتحقيق التقوى والتي تعد من أبرز حكم الصوم، فحقيقة الصيام أنه مدرسة سلوكية تُربي النفوسَ على التقوى وعلى طاعة الله -سبحانه-؛ ذلك أن الصائم يمارس في نفسه التغلب على اللذة المباحة حتى يستطيع التغلب على اللذة الآثمة، ففي الحديث القدسي: ( يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي ) (رواه البخاري) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) .

- الصيام وسيلة لتربية الأمة على الوحدة والتوحد: انظر مع دخول أول ليلة من رمضان، وكيف تتغير أحوال الناس مع لحظة ثبوت الهلال؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الصَّوْمُ ‌يَوْمَ ‌تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- الصيام مدرسة في الجماعية التي بها تسهل معها الطاعات وفعل الخيرات، فقليل هم الذين يقدرون على صيام شهر كامل في غير رمضان: قال الرجل الذي عليه كفارة الصيام للنبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال له: ( فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ ‌تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ )، قَالَ: "لَا" (متفق عليه) ، مع أنه كان يصوم شهر رمضان! فلا عجب أن الله -تعالى- سمَّى الشهر: ( ‌أَيَّامًا ‌مَعْدُودَاتٍ ) (البقرة: 184) !

- الصيام تربية اجتماعية، فهو يبعث على التكافل والتعاون فتشعر الأمة في رمضان بالجسد الواحد، يجوع الناس فيه جوعًا واحدًا، ويعطشون عطشًا واحدًا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) .

ثالثًا: التوبة الصادقة:

الصفحة التالية