شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزة رمز للعزة (5) حق المقاومة والدفاع عن الأرض والمقدسات

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

لقد قامت منظمة التحرير الفلسطينية في الستينيات كما جاء في ميثاقها الوطني بتبني الكفاح المسلح كوسيلة لتحرير كامل أرض فلسطين من النهر (نهر الأردن) إلى البحر (البحر المتوسط) وإقامة دولة علمانية يعيش فيها المسلمون واليهود والنصارى على حد سواء، ثم في السبعينيات ظهرت الدعوة إلى إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي أرض تتحرر من الاحتلال لتمكين الشعب الفلسطيني من قيام دولة على أرضه يديرها بنفسه للوقوف في وجه النزعة الاستعمارية اليهودية في فلسطين، ولهذا وافق المجلس الوطني الفلسطيني في يونيو 1984م على فكرة إنشاء سلطة وطنية على أي أجزاء تتحرر من الأراضي الفلسطينية باعتبارها خطوة نحو إقامة دولة فلسطينية.

وفي المقابل: كانت إسرائيل لا تعترف بمنظمة التحرير، بل ولا تعترف بوجود شعب فلسطيني، وكانت ترى في الأردن التي أعلن ملكها (عبد الله الأول) ضم الضفة الغربية إلى الأردن عقب حرب 1948م هي الوطن البديل للاجئين الذين تركوا أراضيهم وديارهم خلال حرب 1948م وبعد حرب يونيو 1967م، أي: أن القضية الفلسطينية لا تعدو أن تكون قضية عرب لاجئين تحل بضمهم إلى المملكة الأردنية؛ هذا بينما كانت أمريكا تشترط على منظمة التحرير الفلسطينية الاعتراف بدولة إسرائيل للمشاركة في أي مساعي دولية وقبول قرار مجلس الأمن رقم 242 وترك العمل المسلح، مع البحث عن صيغة تشترك فيها الأردن في التفاوض بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة.

ولتحريك الموقف سياسيًّا أعلن ملك الأردن الملك حسين إنهاء الروابط الإدارية والقانونية للأردن مع الضفة الغربية في يوليو 1988، ليسقط بذلك أي خيار سياسي يقوم على تسوية إقليمية للقضية الفلسطينية بمشاركة أردنية، وبالتالي منح الفرصة كاملة لمنظمة التحرير الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني للتحرك المستقل دوليًّا، وعليه أعلن المجلس الوطني الفلسطيني في اجتماعه بالجزائر في نوفمبر 1988م قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس، مع الدعوة لعقد مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة، ومشاركة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ومشاركة كل أطراف النزاع بما فيها منظمة التحرير لحل القضية الفلسطينية على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338، وحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة ومنها حقه في تقرير مصيره وفقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة.

وعلى ذلك ألقى عرفات كلمته في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في جينيف في ديسمبر 1988 مؤكدًا على قبول منظمة التحرير للقرارين 242 و338، ونبذ العمل المسلح، وهو ما اعتبرته أمريكا كافيًا للدخول في حوار مع منظمة التحرير، خاصة مع فشل إسرائيل وقتها في إيقاف الانتفاضة الشعبية الفلسطينية عام 1987م، وهو ما أسفر عن المفاوضات حول الحكم الذاتي الانتقالي الفلسطيني الذي يعقبه المفاوضات النهائية حول القدس وإقامة الدولة الفلسطينية.

ساهمت الأوضاع العربية المتردية والشعور بالإحباط عقب احتلال العراق للكويت ثم حرب تحرير الكويت وهزيمة العراق فيها، وما شهدته هذه الفترة من رفض عرفات إدانة غزو العراق للكويت الذي أضر بصورة منظمة التحرير دوليًّا، وأدى إلى تدهور علاقة المنظمة مع دول الخليج العربي وفتور علاقة المنظمة مع دول عربية أخرى، مما أوقع المنظمة في عزلة كانت كفيلة لجعل عرفات قابلا للضغط عليه وقبوله ما لم يكن يقبله من قبل، وزاد الأمر سوءًا سقوط الاتحاد السوفيتي، وهو ما أفقد القضية الفلسطينية الدعم الروسي، فقادت أمريكا مفاوضات بين إسرائيل ووفد أردني فلسطيني مشترك في ظل شروط حكومة شامير (حزب الليكود) اليمينية، والتي قبلتها منظمة التحرير على مضض، على أن تكون على مرحلتين: الأولى حول فترة انتقالية مدتها خمس سنوات من الحكم الذاتي الفلسطيني، والثانية تبدأ مفاوضتها قبل بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية، حول المفاوضات النهائية للمشكلة والوصول للسلام الشامل والدائم للقضية الفلسطينية.

ثم جاءت المفاوضات مع حكومة حزب العمل الإسرائيلية بقيادة (رابين) بدون شروط مسبقة والتي شاركت فيها منظمة التحرير بوفد، ثم بدأت اللقاءات السرية التي شهدتها النرويج (في أوسلو)، والتي انتهت بإعلان المبادئ للفترة الانتقالية والاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير، وهو ما أتاح لمنظمة التحرير موضع قدم في غزة وأريحا تمارس منه السلطة داخل الأراضي الفلسطينية.

وفي الواقع أن إسرائيل قبلت الانسحاب من غزة بسبب الأعباء الأمنية الباهظة التي تتحملها إسرائيل بسبب احتلال قطاع غزة دون عائد اقتصادي أو استراتيجي يبرر الاحتفاظ بها، خاصة مع الكثافة السكانية الفلسطينية فيها والتي تجعل من الصعب ضمها لإسرائيل إلى جانب ضعف اقتصاد القطاع.

أما بالنسبة لأريحا فقبلت إسرائيل الانسحاب منها؛ لأنها خالية من المستوطنات الإسرائيلية وليست بعيدة عن القدس فهي مغرية للفلسطينيين، كما أنها قريبة كذلك من نهر الأردن مما يفتح الباب في المستقبل لإمكانية قيام اتحاد بين الأردنيين والفلسطينيين، وأجل إعلان المبادئ مناقشة المسائل الصعبة التي كانت تشكل العقبات الكبرى وقرر إرجاء بحثها إلى مفاوضات الوضع النهائي كالقدس واللاجئين والمستوطنات والحدود النهائية والترتيبات الأمنية والعلاقات الفلسطينية مع دول الجوار، حيث كانت مواقف الجانبين فيها متباعدة بدرجة كبيرة يصعب معها إيجاد حلول وسط بشأنها، وجاءت موافقة منظمة التحرير على إرجاء بحث هذه المسائل بمثابة تغير في مواقفها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية