غزة رمز للعزة (5) حق المقاومة والدفاع عن الأرض والمقدسات
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
كانت حماس قد دخلت معمعة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي مع تنامي الصحوة الإسلامية والتراجع المطرد للحركة الفلسطينية الوطنية العلمانية، وقد عملت حماس باستقلالية دون اندماج مع الحركات الفلسطينية الأخرى، وإن أقرت في ميثاقها أن منظمة التحرير أقرب الحركات إليها، ورغم معارضة حماس لاتفاق أوسلو، لكنها انضمت مع بقية المعارضين له في انتظار ما سيسفر عنه في ظل عدم تقديم بديل؛ لذا ظهرت ونمت سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود (السلطة الفلسطينية)، وفي 11 نوفمبر 2004 توفي ياسر عرفات بعد رحلة مرض، وانتخب محمود عباس (أبو مازن) خلفًا لعرفات في رئاسة منظمة التحرير والسلطة التنفيذية في انتخابات قاطعتها حماس.
وفي مارس 2005م تم التوصل إلى (اتفاق القاهرة) بين قيادات الفصائل الفلسطينية الذي يقضي بهدنة مع العدو الإسرائيلي، وتشكيل لجنة تتولى إعادة هيكلة منظمة التحرير بعد دخول كل الفصائل الفلسطينية فيها، وهو ما لم ينفذ في الواقع.
وفي يناير 2006 حصلت حماس على الأغلبية في مقاعد المجلس التشريعي في الانتخابات التشريعية الثانية، مما عكس مدى تطلع الفلسطينيين إلى حماس لنصرة القضية الفلسطينية التي تجاوزت اتفاق أوسلو الذي لم يقدم للفلسطينيين شيئًا، والذي عارضته وتعارضه حماس وفصائل أخرى لكونه لم يحقق ولن يحقق الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، بل واصلت بعده الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة رفضها لإقامة الدولة الفلسطينية، ورفضها عودة اللاجئين الفلسطينيين لبلادهم، وتبنت سياسة فرض الأمر الواقع من خلال تهويد القدس ومواصلة بناء العشرات من المستوطنات في القدس والضفة الغربية، وتمادت في اضطهاد الفلسطينيين والتضييق عليهم وقامت باغتيالات قيادات الفصائل الفلسطينية عامة وحماس خاصة، ومارست علنا الاعتداءات المتكررة يوميًّا على المسجد الأقصى مع تصاعد التصريحات والتهديدات يومًا بعد يوم من المتطرفين فيها بقرب هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، وهي كلها أمور تشير بقوة إلى أهمية مواصلة الكفاح والنضال المسلح من أجل تحرير الأرض والدفاع عن المقدسات، أمام عدو لا يعرف ولا يعترف إلا بلغة القوة.
وهذا الكفاح المسلح هو ما قامت به شعوب كثيرة من قبل في مواجهة محتليها رغم قوتهم، وصبرت عليه حتى نالت مرادها في نهاية الأمر. والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة منها ما قام به شعب الجزائر من قبل في مواجهة الاحتلال الفرنسي، وما قام به شعب فيتنام في مواجهة الاحتلال الأمريكي، وما قام به الأفغان في مواجهة الاحتلال السوفيتي ثم من بعده الاحتلال الأمريكي، وغير ذلك.
وهذا القتال والنضال المسلح لاستعادة الأرض المسلوبة والدفاع عن المقدسات أذن الله -تعالى- فيه للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله تعالى عنهم- لما أخرجوا من مكة والبيت الحرام؛ فأدوه رغم التضحيات حتى نصرهم الله -تعالى-؛ قال -تعالى- في حق أولئك الذين أجبروا على ترك أرضهم وديارهم وأموالهم: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا ) (الحج: 38-40) ، وقال -تعالى-: ( فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) (آل عمران: 195) ، وقال -تعالى-: ( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ) (البقرة: 191) ، وقال -تعالى-: ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) (البقرة: 194) ، وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ . وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) (الشورى: 39) ، وقال -تعالى-: ( وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ . إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (الشورى: 41-42) ، وقال -تعالى-: ( ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) (الحج: 60) ، وقال -تعالى- في حق كفار مكة لما أخرجوا المسلمين من مكة وأخضعوا البيت الحرام لما هم عليه من الكفر: ( وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ) (البقرة: 217) ، وكذلك هو إخراج اليهود الكفار للمسلمين الفلسطينيين من القدس وانتهاكهم لحرمات المسجد الأقصى وحرمان أهله الأحق به منهم يدخل في عموم قوله -تعالى-: ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) (النحل: 110) ، وفي هذا المعنى قوله -تعالى-: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (الحج: 40) .
