شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزة رمز للعزة (6) طوفان الأقصى (1)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

(يوم السبت 7 أكتوبر 2023م - 22 ربيع الأول 1445هـ)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد جاءت عملية طوفان الأقصى التي قامت بها كتائب عز الدين القسام الذراع العسكري لحركة حماس في 22 ربيع الأول 1445هـ الموافق السابع من أكتوبر 2023 -كما أعلن ناطقها الرسمي (أبو عبيدة)- دفاعًا عن الشعب الفلسطيني في مواجهة انتهاكات سلطة الاحتلال الصهيوني واضطهاداتها المتواصلة للشعب الفلسطيني المخالفة للقوانين والمواثيق الدولية التي توجب مراعاة حقوق أصحاب الأرض المحتلة في المعاملة، وردًّا على محاولات تهويد القدس والانتهاكات المستمرة من المستوطنين اليهود لساحة المسجد الأقصى، محملًا سلطة الاحتلال الإسرائيلية المسئولية الكاملة لتبعات جرائمه المتواصلة بحق الفلسطينيين، وبحق القدس الشرقية المحتلة وبحق المسجد الأقصى، وإلزامًا لهذه السلطة بوقف كل المخططات الرامية إلى تهويد المسجد الأقصى وبناء هيكلهم المزعوم على أنقاضه؛ فضلًا عن تحرير الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية.

كانت ساعة الصفر لعملية طوفان الأقصى هي الساعة السادسة صباحًا، وكانت الخطة الموضوعة لطوفان الأقصى سرية لم يعرفها الذين نفذوها إلا مع اقتراب ساعة الصفر حيث صدرت التعليمات لقادة الكتائب ومسئولي الخلايا بتجميع الأعداد الكبيرة من المقاتلين الذين تم تدريبهم جيدًا لتنفيذ تلك العملية في وقت مبكر من فجر السابع من أكتوبر، وهؤلاء المقاتلون -ويبلغ عددهم قرابة 1500 مقاتل- كانوا قد تلقوا من قبل تدريبات عديدة مكثفة على الأسلحة التي ستستخدم في القتال، والتي يتم تخزينها في ترسانة الأسلحة التي تمتلكها حماس، وتجمعها بعد أداء التدريبات عليها، حيث تم في هذا الصباح توزيع ذخيرة إضافية وأسلحة أكثر قوة ودقة على المجتمعين، وتزويدهم بقذائف صاروخية، وقنابل مضادة للآليات العسكرية، ورشاشات ثقيلة، وبنادق قنص، وكميات كبيرة من المتفجرات والذخائر، وتم اطلاعهم على تفاصيل خطة التحرك، والتأكيد على المهام المحددة لكل مقاتل، أي: إعطاء الأوامر النهائية.

كانت حماس قد أعدت الخرائط التي توضح تفاصيل دفاعات ومواقع العدو الرئيسية، التي استقت معلوماتها من داخل إسرائيل عن طريق المتعاطفين مع الحركة، ومن الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل، وعليه حددت الأهداف المطلوبة سلفًا، ومدت مقاتليها التعليمات شفهية وسرًّا لإخفاء تسرب الأخبار عن طريق العملاء وأنظمة المراقبة والتجسس الإسرائيلية والعالمية المتعاونة معها.

ومع بدء العملية العسكرية تدفق المقاتلون الفلسطينيون من غزة، وغالبيتهم من كتائب القسام ومعهم مقاتلون من فصائل أخرى فلسطينية -بعضهم من سرايا القدس الذراع العسكري لمنظمة الجهاد الإسلامي-، واستخدم المقاتلون الجرافات في اختراق السياج المزدوج للدفاعات الإسرائيلية، ثم عبروا من خلال فجوات أحدثوها في الجدار العازل.

وكان التدفق الفلسطيني في البر والبحر والجو، وفي سرعة اجتاز المقاتلون الفلسطينيون الحدود الإلكترونية والأسوار الحديدية، وعطلوا أجهزة المراقبة والرشاشات الآلية، بينما أطلقت خمسة آلاف صاروخ تجاه العديد من المستوطنات الإسرائيلية من (ديمونا) في الجنوب إلى (هود هشارون) في الشمال وفي العمق في اتجاه القدس.

وقد توجه المقاتلون في سيارات رباعية الدفع وشاحنات صغيرة ودرجات نارية، وقد تبعهم آخرون مستخدمين طائرات مسيرة وشراعية (الطوافات)، والتي لا يمكن رصدها خاصة مع إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ في السماء تجاه أهداف للعدو، وكذلك زوارق بحرية سريعة ودراجات نارية، وقاموا جميعًا بالتنسيق معًا وفي وقت واحد بمداهمة المستوطنات والبلدات والقواعد العسكرية المتاخمة لقطاع غزة والتي تعرف باسم: (غلاف غزة)، حيث خاضوا اشتباكات عنيفة في عدد كبير من المستوطنات المتاخمة والمواقع العسكرية، وسيطروا تمامًا على العديد منها؛ خاصة (سيروت) و(أوفاكيم)، كما اقتحموا (نتيفوت)، وتمكنوا من أسر عدد من الضباط والجنود وبعض المستوطنين، وذلك للمقايضة بهم في عمليات الإفراج عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الموجودين في السجون الإسرائيلية.

كان الهجوم مهولًا مذهلًا كمًّا ونوعًا، من جهة ضخامة أعداد المقاتلين أصحاب الكفاءة والقدرات العالية الذين يتوغلون لأول مرة بهذه الدرجة من التوغل في عمق غلاف غزة، ومن جهة نوعية الهجوم وتعدد محاوره التي شملها برًّا وجوًّا وبحرًا، ومنها الإسقاط بالمظلات، والذي تم بسرعة واحترافية كبيرة خلف خط دفاع غلاف غزة، مع الإحاطة بالمعلومات الوافية حول مواقع محددة داخل المستوطنات، كمواقع فرق الاستجابة الأولى على أي هجوم في فرقة غزة التابعة للجيش الإسرائيلي، ومحيط الدفاع عن المستوطنات في غلاف غزة، وكذلك أماكن تجمعات الجنود والمستوطنين.

لقد كان الهجوم هو الأكبر على إسرائيل والأكثر تدميرًا في يوم واحد في تاريخها، كشف عن تقدم تقني للمقاومة الفلسطينية على قلة إمكانياتها، وعن امتلاكها ترسانة أسلحة لم يتوقعها العدو، ولم ترصدها من قبل أجهزته الاستخبارية ومن يدعمها.

كانت القوات الإسرائيلية في غلاف غزة تعتقد اعتقادًا جازمًا أن حاجزها الأمني الذي يتميز بتقنيته العالية، ويفصل بينها وبين قطاع غزة غير قابل للاختراق، فهناك سياج فاصل مزدوج يبلغ ارتفاعه ستة أمتار وحاجز مجهز بالأسلاك الشائكة والكاميرات، وأجهزة استشعار محصنة بقاعدة خرسانية ضد الأنفاق، ومدافع رشاشة يجري التحكم فيها عن بعد.

كان الإسرائيليون يحتفلون بأحد أعيادهم الدينية حتى وقت متأخر من صباح السبت، وقوات الاحتلال والمستوطنين في حالة استرخاء أمني، فلم يتوقعوا هذا الهجوم المفاجئ، وقد قام قناصة فلسطينيون بإصابة أنظمة المراقبة؛ مما أثر على عمليات المراقبة، وانتشرت سريعًا قوات المقاومة الفلسطينية في العديد من المواقع العسكرية والمستوطنات.

الصفحة التالية