غزة رمز للعزة (7) طوفان الأقصى (2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ومعلوم أن هذا الإجراء الإسرائيلي يشكل مخالفة جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني؛ إذ يعرض حياة مليون فلسطيني لمخاطر البقاء في العراء دون مأوى، وفي مواجهة ظروف إنسانية وأمنية خطيرة، وهو الأمر الذي رفضته حماس ورفضه معها مئات الألوف من سكان غزة المحاصرين.
- ومع تمادي الضربات الجوية ضد السكان المدنيين في قطاع غزة، طالب الجيش الإسرائيلي أيضًا بإخلاء عدة مستشفيات في غزة، ووجَّه إنذارًا بالإخلاء الفوري لمستشفى القدس بمدينة غزة في اليوم الثامن من الحرب، وهي بالطبع جريمة جديدة تعكس النية الإسرائيلية المبيتة ضد قطاع غزة بمنع تقديم الخدمات الصحية الأساسية وخدمات الحالات الطارئة.
وقد ذكرت وزارة الصحة الفلسطينية: أن الغارات الإسرائيلية أدت إلى إخلاء مستشفى الدرة للأطفال شرق غزة بعد استهدافه بقنابل الفسفور، ونقل مرضى المستشفى وطاقمها الطبي إلى مستشفى النصر للأطفال، وأن ذلك تكرر أيضًا مع مستشفى بيت حانون.
- ولإجبار السكان بالقوة على إخلاء شمال القطاع والنزوح الجماعي إلى وسط وجنوب القطاع وسَّعت إسرائيل وكثَّفت من دائرة هجماتها على شمال قطاع غزة مع نهاية الأسبوع الأول من الحرب، وارتكبت لتحقيق ذلك مجازر عديدة، منها: مجازر في دير البلح ومخيم جباليا. وقد أحصت مستشفيات القطاع في يوم واحد استشهاد أكثر من 350 شخصًا ومئات الجرحى، وقد بلغ عدد الضحايا مع نهاية الأسبوع الأول أكثر من ألفي شهيد وأكثر من 8700 جريح.
- وفي تطور جديد دعا الجيش الإسرائيلي سكان شمال القطاع بالتوجه إلى جنوب القطاع عبر محورين، عبر شارعي: (البحر) و(صلاح الدين)، وأنه سيسمح لهم بالتحرك فيهما بدءًا من الساعة العاشرة صباحًا حتى الساعة الرابعة عصرًا، وأنه سيسمح لسكان الشاطئ والرمال وغرب الزيتون بالتحرك على شارعي دلدول والسناة بالتحرك تجاه شارعي صلاح الدين والبحر، ومع ضغط الهجمات الإسرائيلية أشارت التقديرات إلى أن مئات الألوف قاموا بإخلاء مساكنهم، بينما رفض آخرون. كان الوضع مؤلمًا؛ فالأهالي يتركون بيوتهم بأعداد كبيرة، ويسيرون في جماعات في الشوارع لا يعرفون إلى أين سيذهبون.
وقد وجه الجيش الإسرائيلي ضرباته المكثفة إلى المستشفيات في قطاع غزة مستهدفًا ما فيها من المرضى والنازحين الذين احتموا داخلها ظنًّا منهم أنها ستكون ملجأ آمنًا لهم؛ إذ لم يتصوروا أنه مهما بلغ إجرام المعتدين سيقومون بضرب المستشفيات والمرضى بها.
وقد بررت إسرائيل فعلها الإجرامي هذا المخالف لكل القوانين الدولية والإنسانية بأن قيادات حماس تتواجد داخل أو أسفل تلك المستشفيات، وليس هذا بمبرر مقبول في القانون الدولي لقتل وجرح المئات من المرضى والمدنيين إن صح؛ فكيف وقد أثبتت الوقائع والأحداث بعد ذلك كذب الزعم الإسرائيلي المذكور، وأنه لم يتضمن القتلى والمصابين في المستشفيات التي تم استهدافها وجود أحد من قيادات حماس أو المقاومة أو أحد من رجالها.
وقد أدانت منظمة الصحة العالمية في بيان لها في 15 أكتوبر 2023 الهجمات الإسرائيلية المتكررة على مستشفيات غزة، وأدانت كذلك مطالبة إسرائيل بإخلاء 22 مستشفى في شمال قطاع غزة تقوم بعلاج أكثر من ألفي مريض، وأن الإجلاء القسري لهؤلاء المرضى والأطقم الطبية المرافقة لهم يفاقم من أوجاعهم الصحية والإنسانية.
ومعلوم أن هذا يهدد حياة الحالات الحرجة من المرضى ويعرضها للوفاة مباشرة؛ خاصة الذين يعالجون منهم في وحدات العناية المركزة، وأولئك الذين تحت العلاج بأجهزة التنفس الصناعي، وحالات مرضى الغسيل الكلوي، وكذلك النساء الحوامل اللاتي يعانين من مضاعفات الحمل، والأطفال حديثي الولادة في الحضانات، وكلها حالات يجب ألا تغادر المستشفيات التي يعالجون فيها مهما كانت الظروف، ويجب ألا تتوقف -ولو لفترات قصيرة- الرعاية الطبية المقدمة لهم؛ لكونها ضرورية لاستمرار حياتهم.
كانت الحرب تتصاعد يوم بعد يوم في كل مكان في قطاع غزة، وهجمات الطيران الإسرائيلي تتواصل ليلًا ونهارًا دون توقف، ورجال المقاومة يردون على الاعتداءات برشقات الصواريخ من وقت لآخر، بينما كانت تعلن الولايات المتحدة وتؤكد دعمها لإسرائيل في موقفها، وترفض وقف العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطع غزة، على ما فيه من انتهاكات جسيمة واضحة؛ هذا رغم بدء ظهور الاحتجاجات الشعبية في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.
وقد توجهت قوة مكونة من ألفين من مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) إلى سواحل فلسطين المحتلة لتنضم إلى قوة السفن الحربية الأمريكية، ونقل عن بعض المسئولين في وزارة الدفاع الأمريكية أن هؤلاء الألفين مكلفين بمهمات تقديم المشورة لا المشاركة في القتال.
الأوضاع في إسرائيل:
كان الخلاف يتزايد داخل أوساط الحكم في إسرائيل حول خطوات المرحلة القادمة؛ خاصة في وجود تقارير تحذر من خطورة الهجوم البري على قطاع غزة، خاصة مع فشل الاستخبارات الإسرائيلية في التعرف على قدرات حماس وترسانتها العسكرية، والتي بات واضحًا أنها تطورت كثيرًا.
أما على المستوى الشعبي فقد قامت أعداد من الإسرائيليين بمظاهرات ساخطة ضد حكومة نتن ياهو، وحملتها مسئولية الإخفاق في مواجهة هجوم حماس، وتطالب بإصدار بيان واضح حول أهداف الحرب مع حماس خشية تعرض جنود إسرائيليين آخرين للقتل دون تحقيق أي هدف واضح.
وفي يوم السبت الرابع عشر من أكتوبر قام آلاف المتظاهرين الرافضين للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة بمسيرة ضخمة في لندن، وهم يلوحون بالأعلام الفلسطينية ولافتات كتب عليها (فلسطين حرة)، ويرددون هتافات ضد حكومتي بريطانيا والولايات المتحدة لدعمهما اللا محدود للعدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، لكن الحكومة الإسرائيلية لم تلقِ لذلك بالًا، وظلت تتمادى لليوم الثامن على التوالي في شن ضرباتها الجوية المكثفة ضد الفلسطينيين رغم الاحتجاجات الدولية الشعبية، بل طالب الجيش الإسرائيلي مجددا بإخلاء عدة مستشفيات أخرى في شمال القطاع ومدينة غزة، منها (مستشفى القدس) الواقعة في مدينة غزة.
