غزة رمز للعزة (8) طوفان الأقصى (3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وهو ما حدث بعد ذلك حيث استطاعت المقاومة الفلسطينية عقب الاجتياح البري لقطاع غزة إخراج لواء (جولاني)، وهو لواء النخبة في الجيش الإسرائيلي، من الخدمة بعد تكبيده نحو 25 % من قوته، كما أخرجوا لواء المظليين، ثم هرم القيادة في لواء (ناحال عوز)، ولواء (جعفاتي)، وذلك خلال أول شهرين من الحرب، وهو ما يؤكد ما ورطت حكومة نتن ياهو اليمينية المتطرفة فيه الجيش الإسرائيلي مقابل تمسك نتن ياهو بالبقاء في الحكم أطول فترة ممكنة ولو على جثث عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين والمئات، كذلك من القتلى والمصابين من جنود الاحتلال الإسرائيليين بما لم تشهده إسرائيل من قبل.
وقد توعدت حركة حماس الجيش الإسرائيلي حال إقدامه على الاقتحام البري للقطاع بتكبيده خسائر فادحة، مؤكدة أنه يخطئ من يظن أن الشعب الفلسطيني الآبي الصامد سيغادر أرضه، حتى لو كانت تحت القصف أو الاحتلال.
وقد حذرت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية من تحول عملية الاجتياح البري لقطاع غزة إلى عملية كارثية تنتهي بفشل ذريع وقتل أعداد كبيرة من الجنود الإسرائيليين بدون هدف من جهة، والقيام بمذابح ومجازر جماعية لسكان غزة من جهة أخرى، تجعل سكان قطاع غزة يواجهون كارثة (نكبة ثانية) تماثل نكبة 1948، التي ما زال يتذكر جميع الفلسطينيين مشاهدها التي عاشها آباؤهم وأجدادهم من 75 سنة؛ إذ إن فرار أكثر من مليون فلسطيني للنجاة بحياتهم، أكثر من نصفهم على الأقل من الأطفال والنساء، وكبار السن، وأصحاب الاحتياجات الخاصة والمرضى، مع اختلاف أحوالهم؛ منهم مَن سيتشبثون ببيوتهم المدمرة لا يتركونها، ومنهم مَن يهربون نحو الجنوب سيرًا على الأقدام أو على الدرجات الهوائية أو على الدواب يحملون ما استطاعوا من ممتلكاتهم، فيصيرون قطعًا على شفا كارثة تاريخية، ولو نجحت إسرائيل في تدمير القطاع على رؤوس سكانه فسيتم نقش هذا الفعل بفظائعه في وعي العالم العربي كله وكل الفلسطينيين، بل ووعي العالم الثالث لأجيال قادمة، وهذا يؤثر بدوره على قبول إسرائيل عالميًّا.
ومع دخول العدوان أسبوعه الثاني من طوفان الأقصى كثفت إسرائيل من هجماتها الواسعة على مناطق شمال ووسط قطاع غزة في محاولة لإخلاء مناطق كاملة من شمال القطاع من السكان ودفعهم إلى وادي غزة؛ تمهيدًا للهجوم البري المحتمل، وقد بلغ عدد الضحايا حتى 14 أكتوبر 2023 نحو 2215 شهيدًا و8714 جريحًا.
وفي يوم السابع عشر من أكتوبر قام الجيش الإسرائيلي بقصف المستشفى الأهلي المعمداني في جنوب غزة، وهو مملوك للكنيسة الإنجيلية في القدس، فتم هدمه على مَن فيه من المرضى والأطقم الطبية والعاملين فيه؛ مما تسبب في مقتل المئات منهم، مما أحدث ردود فعل صادمة في أنحاء العالم.
وقد نتج عن استهداف المستشفيات مع الانقطاع الكامل للكهرباء والماء عنها أن أجريت عمليات لجرحى ومصابين في طرقات تلك المستشفيات وبدون تخدير، وقد صارت الأوضاع المتدهورة تهدد بانهيار القطاع الصحي في قطاع غزة بالكامل، بينما الآلاف من سكانه أشد ما يكونون حاجة إلى العلاج والدواء، وإلى التعامل الفوري مع عشرات الآلاف من الجرحى والمصابين.
وقد بلغ عدد الضحايا في يوم 20 أكتوبر 2023 نحو 4137 شهيدًا وفق ما أعلنته وزارة الصحة التابعة لحركة حماس؛ بالإضافة إلى إصابة 13162 آخرين بجروح مختلفة.
وتوالت التحذيرات الإسرائيلية التي تحث الفلسطينيين بقوة على ترك شمال غزة والتوجه وسط وجنوب القطاع، مع تصعيد الضغط العسكري والمجازر وأعمال القتل لإجبار الفلسطينيين على الهجرة القسرية إلى جنوب القطاع، وفي يوم 22 أكتوبر ألقت الطائرات الإسرائيلية منشورات على الفلسطينيين في شمال غزة تتضمن تحذيرًا واضحًا بأن من لم يغادر منهم شمال القطاع سيتم تحديد هويته على أنه متواطئ ومتعاطف مع منظمة حماس الإرهابية.
ومع اقتراب الحرب البرية كانت عائلات الرهائن الإسرائيليين الذين تحتجزهم حماس والمقاومة الفلسطينية يحثون الحكومة الإسرائيلية على كبح جماح التدخل العسكري، والتفاوض بدلًا من ذلك على إطلاق سراح المحتجزين، ولكن الحكومة الإسرائيلية المتعطشة للانتقام، وقد أصيبت في كبريائها يوم السابع من أكتوبر لم تعطِ أي اهتمام لتلك الدعوات، ومارست الدعاية الكاذبة ضد حماس، وتمادت الحكومة الإسرائيلية مع الإعلام الصهيوني في التهجم، بل والبطش بكل مَن يبدي تعاطفًا مع الفلسطينيين في معاناتهم.
معاناة الفلسطينيات الحوامل:
كانت الفلسطينيات الحوامل في قطاع غزة يعشن في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتوحشة أوضاعًا مأساوية يصعب وصفها، حيث يوجد في القطاع قرابة 40 ألف امرأة حامل، منهن 9 آلاف على وشك الوضع خلال أيام أو أسابيع قليلة، وجميعهن يعانين في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية في القطاع من جراء العدوان الهمجي الإسرائيلي، فكثيرات منهن كن يتعرضن للموت ببطء يومًا بعد يوم:
- فهناك الخوف والفزع المستمر، وآثار الصدمة النفسية للحرب عليهن.
- وهناك التشريد ومعه فقد أبسط حقوق الرعاية العائلية والعيش في أمان داخل أسرهن.
- وهناك صعوبة الوصول إلى المستشفيات التي صارت مكتظة بالشهداء والجرحى والمصابين، بل والنازحين والفارين من الغارات، بينما هذه المستشفيات تعاني من النقص الشديد في المستلزمات الطبية والأدوية، مما تصبح معه الأولوية ليست لرعاية الحوامل، ليصارعن وحدهن آلام المخاض تحت قصف يهدد حياتهن وحياة أجنتهن، وقد قتل منهن كثيرات وأجنتهن داخل أرحامهن، وقد أنهك الحصار الإسرائيلي والغارات الجوية المتكررة القطاع الصحي، الذي هو يعاني من قبل بسبب الحصار المفروض على قطاع غزة من عام 2005م.
- وقد تحولت أقسام النساء والولادة بالمستشفيات إلى ملاجئ وأقسام للطوارئ لإنقاذ المدنيين المجروحين والمصابين، وقد أصبحت أغلب الأجهزة الطبية التي لا غنى عنها في متابعة الحمل - خاصة أجهزة السونار- أو تستخدم في الولادة تحتاج إلى الصيانة ولم تعد صالحة للعمل، كما تحولت غرف العمليات المجهزة للولادة مع ضغط العمل إلى غرف عمليات لاستئصال الرصاص وشظايا القنابل من أجساد الجرحى؛ مما اضطر معه الأطباء إلى إجراء بعض الولادات داخل مشرحة الموتى وأمام ثلاجات الموتى.
