لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (1)
محمود أمين • المنهج السلفي
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل أبا بكر سنة تسع أميرًا على الناس في الحج، وكان المشركون إلى ذلك الوقت يحجون ويطوفون بالبيت عراة، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر أن يعلمهم بنبذ العهود، وأنه لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وأنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن؛ فهذه كلمات أربعة أرسل بها أبا بكر ثم أتبعه عليًّا لينادي بنفس هذه الكلمات، فكان إذا عيي علي قام أبو بكر فنادى بها، كما في رواية الترمذي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "بَعَثَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَبَا بَكْرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا، فَبَيْنَا أَبُو بَكْرٍ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، إِذْ سَمِعَ رُغَاءَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْقَصْوَاءِ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَزِعًا، فَظَنَّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، فَانْطَلَقَا فَحَجَّا، فَقَامَ عَلِيٌّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَنَادَى: ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَلَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ". وَكَانَ عَلِيٌّ يُنَادِي، فَإِذَا عَيِيَ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى بِهَا. (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وبهذا نعلم أن هذا النداء أمر به أبو بكر أيضًا قبل علي، وأن النداء بأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة نودي به في الحج سنة تسع، ونادى به أبو بكر وعلي، وفي الحج سنة عشر خطبهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك في حجة الوداع في خطبته أيام التشريق، وتكرار النداء به في الحج لعامين سنة تسع وسنة عشر في آخر حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- يدل على تأكيده وأهميته.
ومعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خص في خطبته في حجة الوداع الحديث عن أهم الأمور التي تحتاجها الأمة بعد وفاته، كما أن تكرار النداء به في الحج يدل على أن المقصود إعلام الجميع بذلك، والمراد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (نفس مسلمة) أي: مؤمنة، كما هو مفسَّر بالرواية الأخرى في مسلم: ( يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اذْهَبْ، فَنَادِ فِي النَّاسِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ ) قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَنَادَيْتُ: "أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ" (رواه مسلم) . وفي رواية عند النسائي: ( إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ )، وكذلك في مسند أحمد.
فمَن لم يؤمن بالله ربًّا وإلهًا لا شريك له، لا يدخل الجنة؛ فأهل الجنة هم أهل التوحيد، وهم أهل لا إله إلا الله، وأما مَن عَبَد غير الله أو جعل معه شركاء؛ فهو مشرك لا يدخل الجنة.
ومن الإيمان بالله: الإيمان برسله، وكتبه؛ ولذلك مَن كفر بالأنبياء كفر بالله الذي أرسلهم، ومَن كفر بما أنزل الله من الكتب، كفر بالله -سبحانه وتعالى-.
ولذلك حكم الله في القرآن بكفر اليهود لما كفروا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، مع معرفتهم به وإخبار كتبهم بصفته، فقال -سبحانه وتعالى- عنهم: ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (البقرة: 101) .
قال ابن جرير الطبري: "فأخبر الله -جل ثناؤه- أن اليهود لما جاءهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الله بتصديق ما في أيديهم من التوراة، أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- نبي لله، ( نَبَذَ فَرِيقٌ ) يعني بذلك: أنهم جحدوه ورفضوه بعد أن كانوا به مقرين، حسدًا منهم له وبغيًا عليه" (تفسير الطبري) .
وقال -سبحانه وتعالى-: ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (البقرة: 89) .
قال ابن جرير الطبري: "ولما جاء اليهود من بني إسرائيل الذين وصف -جل ثناؤه- صفتهم- ( كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) يعني بـ"الكتاب" القرآن الذي أنزله الله على محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، ( مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ) يعني مصدق للذي معهم من الكتب التي أنزلها الله من قبل القرآن" (تفسير الطبري) .
فحكم الله عليهم بالكفر لما كفروا بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وبالقرآن فقال: ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ).
قال ابن جرير الطبري: "فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه، المنكرين لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-. وفي إخبار الله -عز وجل- عن اليهود بما أخبر الله عنهم بقوله: ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ )، البيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- بعد قيام الحجة بنبوته عليهم، وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إليهم" (تفسير الطبري) .
كما أن عيسى -عليه السلام- بَشَّر بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ودعا إلى الإيمان به، كما في قوله -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) (الصف: 6) .
