لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (1)
محمود أمين • المنهج السلفي
الرد على من زعم أن الجنة ليست حكرًا على المسلمين!
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد زعم أحد مقدمي البرامج: أن الجنة ليست حكرًا على المسلمين، وهي كلمة رددها أكثر من شخص في الآونة الأخيرة من المسارعين في إرضاء الغرب، وممَّن يروج للدعوة إلى الدين الإبراهيمي، ومع وضوح المسألة وكونها من القطعيات؛ إلا أنه كان لزامًا دحض هذه الشبهة، وبيان ما يشكل على البعض فيها.
والرد عليه يكون من خلال ثلاث مُسَلَّمَات:
الأولى: (لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة)، وهو نص حديث نبوي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذلك فالقول بأن الجنة ليست حكرًا على المسلمين مصادم لنص هذا الحديث ومضاد له، وإن المرء ليتعجب! كيف ساغ للبعض أن يصادم النص الصريح إلى هذا الحدِّ؟!
فأما نص هذا الحديث، فقد جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى بِالنَّاسِ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ) (متفق عليه) .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةِ أَدَمٍ، فَقَالَ: ( أَلَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَتُحِبُّونَ أَنَّكُمْ رُبُعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ ) فَقُلْنَا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ : ( أَتُحِبُّونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ ) قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ( إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مَا أَنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ ).
وعند الترمذي عَنْ زَيْدِ بْنِ أُثَيْعٍ، قَالَ: "سَأَلْتُ عَلِيًّا: بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ؟ قَالَ: بِأَرْبَعٍ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَا مُدَّةَ لَهُ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ" (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
إذًا فأنت ترى أن هذا مِن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد قاله في موضع البيان والإعلام في خطبته -صلى الله عليه وسلم- كما في رواية مسلم، وكان ذلك في مِنَى كما في الرواية التي في مسند أحمد: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمِنًى، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةٍ حَمْرَاءَ، قَالَ: ( أَلَمْ تَرْضَوْا أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ ) قُلْنَا: بَلَى. قَالَ : ( أَلَمْ تَرْضَوْا أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ ) قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ( وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، عَنْ قِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي النَّاسِ يَوْمَئِذٍ: مَا هُمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ، وَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ) (رواه أحمد بسند صحيح) .
وفي رواية مسلم أنه أشهدهم على الإبلاغ بذلك فقال: ( اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ ).
قال النووي -رحمه الله-: "معناه: أن التبليغ واجب عليَّ وقد بلغت فاشهد لي به".
وأمر بلالًا وعليًّا أن يناديا في الناس بذلك، وهاتان واقعتان مختلفتان فنداء بلال غير نداء علي؛ لأن نداء بلال بذلك كان في غزوة حنين، بينما كان نداء علي في الحَجَّة التي أمَّر فيها أبا بكر -رضي الله عنه- على الناس، وهذا ليعلم الناس جميعًا بذلك، وفيهم المشركون.
ونادى علي بذلك بصوت عالٍ حتى بح صوته كما في رواية النسائي قال: "فَكُنْتُ أُنَادِي حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي" (رواه النسائي، وصححه الألباني) . وصحل أي: بح صوته.
وجاء في رواية ابن ماجه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب بذلك في الناس في حجة الوداع في خطبته أيام التشريق، فعن بِشْر بن سُحَيْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَقَالَ: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
فهذه عدة مواضع مختلفة جاء فيها بيان النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، منها خطبته في حجة الوداع في أيام التشريق، وأمر بلالًا أن ينادي بذلك في غزوة حنين، وأمر عليًّا أن ينادي بذلك سنة تسع في الحجة التي أمر فيها أبا بكر الصديق.
