شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

والنار حق

عبد الرحمن شريف الهواري • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سألني مجموعة من الشباب عما ادَّعاه أحد الرموز الصوفية أنه ربما تتعطل النار ويلغيها الله -عز وجل-! ولا شك أن هذا من الخطر العظيم، وكأنه تابع لسياسة بعض الدول التي تمهد الطريق للدين الإبراهيمي، وهذا يخالف ما عليه الأزهر الشريف، وما عليه كل العلماء في مصر، وحتى الجهات الرسمية؛ فكل هؤلاء ضد هذا العبث الذي يبدو كأنه خادم لهذه الطريقة، وهذا ترخيص للجرأة على الله!

ولا شك أن هذا يمكن أن يؤدي إلى فوضى أخلاقية وجرأة غير مسبوقة على الرب -سبحانه وتعالى-، وعلى دينه وعلى رسوله، وعلى أهل العلم، وعلى الخلق أجمعين، وإن لم يكن في هذا من القُبح إلا أنه سوَّى بين الناس محسنهم ومسيئهم، لكفى، والمولى -عز وجل- يقول في محكم التنزيل: ( ‌أَمْ ‌نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ‌أَمْ ‌نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) (ص: 28) ، سبحان الله العظيم!

وقال الله -تعالى-: ( ‌أَمْ ‌حَسِبَ ‌الَّذِينَ ‌اجْتَرَحُوا ‌السَّيِّئَاتِ ‌أَنْ ‌نَجْعَلَهُمْ ‌كَالَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَعَمِلُوا ‌الصَّالِحَاتِ ‌سَوَاءً ‌مَحْيَاهُمْ ‌وَمَمَاتُهُمْ ‌سَاءَ ‌مَا ‌يَحْكُمُونَ ) (الجاثية: 21) ، فلا يمكن أن يستوي الكفار والمؤمنون؛ لا في دنيا ولا في آخرة، ولا وجه للمقارنة! ولذلك من يقولون بهذا القول: "أن النار وارد أن تُلغى"، هؤلاء في الحقيقة يردون نصوصًا وردت عما سيقع في الآخرة في يوم القيامة، وتحديدًا في النار بأخبار واضحة وضوح الشمس.

فهل نقول هذه أقوال عبثية؟! نعوذ بالله من الخذلان.

هل الله أخبر بهذا ثم لا يقع ما أخبر الله به؟! والله هذا من الخذلان.

وماذا نقول في أمور تكلم الله فيها وهي واضحة المعاني لا تحتاج إلى لبس، كما تكلم -سبحانه وتعالى- عن أهل الشرك فقال: ( ‌إِنَّهُ ‌مَنْ ‌يُشْرِكْ ‌بِاللَّهِ ‌فَقَدْ ‌حَرَّمَ ‌اللَّهُ ‌عَلَيْهِ ‌الْجَنَّةَ ‌وَمَأْوَاهُ ‌النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (المائدة: 72) .

فالمشرك مأواه النار؛ فأين إذًا نذهب بهذه الآية؟

وقال -تعالى- عن الكافرين: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ ‌لَا ‌يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) (فاطر: 36) .

وتكلم الله عن المنافقين فقال: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) (النساء: 145) ؛ أتكذبون بذلك؟! أهذا ملء فراغ مثلًا في القرآن؟! نعوذ بالله من الخذلان.

وعلى الجملة قال الله -تعالى- في حواره مع الشيطان عليه من الله ما يستحق: ( فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ . لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) (ص: 84، 85) .

فهذا حق لا لبس فيه ولا غموض، بل خذ عِندك بعض الحوارات داخل النار نقلها على أنها ستقع على نحو ما أخبرنا بها في كتابه، وهذا في القرآن كثير، فمع الملائكة مثلًا: ( وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ) (غافر: 49) ، وقال في موطن آخر: ( وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ ‌مَاكِثُونَ ) (الزخرف: 77) ، وقال: ( اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ) (المؤمنون: 108) .

بل اسمع هذه الحوارات فيما بين أهل النار وبين أهل الجنة: ( وَنَادَى ‌أَصْحَابُ ‌الْجَنَّةِ ‌أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (الأعراف: 44) .

سبحان الله العظيم هذا حق كيف تقول باحتمال إلغائه؟!

بل هذا اتهام للقرآن بالعبثية بكلام لا حقيقة له، ( وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ) (الأعراف: 50) . أي: لا نصيب لكم فيها.

ولو تأملنا ما نُقل لنا في القرآن لوجدناه كثيرًا جدًّا يحكي لنا ما سيكون سواء في الجنة أو في النار. ففي سورة الصافات لما حكى لنا -تبارك وتعالى- ذاك الحوار الشيق بين أهل الجنة وتلك الفرحة الغامرة بعد أن نجوا وبعد أن دخلوا الجنة، وبعد أن عاينوا ما عاينوا وهم على أَسِرة متقابلين، فتأمل في هذا الحوار الذي دار من أحدهم لجلسائه في الجنة: ( قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ) صديق في الدنيا كان بيني وبينه علاقة ( يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ . أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ )

اسمع هذا المسلم الذي في الجنة وهو يحدث عن صديقه هذا، اسمع ماذا قال، ( قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ) ما رأيكم يا رفقائي في الجنة؟ تعالوا ننظر إلى النار، وهذا من نعيم أهل الجنة أن يروا ما فيه أهل النار ليعرفوا عظمة رحمة الله بهم، وأن أعمالهم كانت سببًا لنيل رحمة الله -تبارك وتعالى-، فكان هذا من النعيم يقول: ما رأيكم؟ تعالوا ننظر لصديقي هذا، وهنا تنتقل الآيات بمعنى جميل ( فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ) موجود يُعذب، وسيوجد ويُعذب، هكذا ينبغي أن يفهم النص.

اسمع إلى هذا الحوار بينه وبينه؛ هذا في الجنة وذاك في سواء الجحيم: ( قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ )، كنت ستضيعني معك، ستحرمني مما أنا فيه بما كنت تدعوني إليه، ( وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) الى آخر الآيات التي يوبخه فيها ويؤنبه فيها، وهذا من أشد أنواع العذاب.

الصفحة التالية