توجيهات مؤثرة... ودروس عملية من حياة الشيخ أبي إدريس -رحمه الله-
سامح بسيوني • مع الدعاة
وسبحان الله! اتجهنا للطريق إلى العزيزية من ناحية الجمرات وقبل أن نخرج من حد منى بقليل توقفت قليلًا، وقلت له: يا شيخنا نوقف الإخوة اللي في الأمام قليلًا حتى تكون مدة نصف الليل قد مرت بأريحية، فتبسم الشيخ ثم قال لي: اصبر، ثم فجأة وجدنا مجموعة من الناس يطلبون فتوى في بعض الأمور في الحج، ويتوجهون إلى الشيخ بالسؤال وهم لا يعرفونه، إنما توجهوا إليه من سمته وهيبته، فأخذ الشيخ في إجابتهم على عدة أسئلة متنوعة وكثيرة لمدة قاربت النصف ساعة ونحن نقف حوله، وقد نظر الإخوة الذين كانوا في الأمام، فوجدوا الشيخ قد توقف وتوقفنا معه فرجعوا يستمعون لردود الشيخ وفتاويه -وكانت فرصة عظيمة لأن الشيخ بطبعه كان قليل الكلام ولا يحب ذلك، ولكنه استرسل في هذه المرة مع هؤلاء المستفتين، وكان يستمع بإنصات ويجيب في سلاسة ومتانة علمية بأسلوب سهل يفهمه السائل مع وضع حلول لهم لما وقع منهم مما فيه بعض المخالفات.
والعجيب: أن كثيرًا من الناس المارين توقفوا واجتمعوا يسمعون الإجابات مع أنهم لم يكونوا معنيين بالأمر ولا يعرفون الشيخ، ثم لما انتهوا من أسئلتهم، سألوا عنه، فأخبرهم الإخوة بمكانة الشيخ، وانهالت الدعوات له وللدعوة في وقت كان عصيبًا في مسيرة الدعوة.
وبعد أن انتهى هذا الموقف أخذ الشيخ بيدي وقال لي: سبحان الله! هذه بركة النزول على رأي الجماعة، فقد جُعل لنا نصيب من نفع هؤلاء الناس، مع الدعاء للدعوة، وكمان خرجنا من منى بعد الوقت بأكثر من نصف ساعة علشان متزعلش، ثم ابتسم ابتسامته المعهودة -رحمه الله-.
الموقف الثاني:
كنت قد عرضت على فضيلته خلاصات كتيب "فأعينوني"، فكان من تدقيقه -رحمه الله- أنه قد استفسر مني عن المقصود الذي أريده من بعض العبارات في الخلاصات المذكورة، ولماذا ذكرتها بهذا التعبير دون غيره، فلما بينت مقصدي، فكان من نصيحته -رحمه الله- تعديل بعض الألفاظ لإيضاح المعنى المراد، وقد تم ذلك والحمد لله مع الدرس العظيم من الشيخ في أهمية التدقيق في الكلمات التي قد تُحمل على عدة معاني، وقد تفهم على غير مقصودها.
الموقف الثالث:
كان هذا الموقف قبل وفاته -رحمه الله بتسعة أشهر-، وكان الشيخ مريضًا ويتكلم بصعوبة شديدة ولكنه كان حريصًا جدًّا على حضور دوامه في مكتبه بصفة مستمرة، وكان هناك اجتماعًا مهمًّا في القاعة المجاورة لمقر الجمعية، وتوافق وجود الشيخ في ذلك الوقت بمكتبه، فذهبت إلى الشيخ وطلبت منه أن يخص أبناءه في هذا الاجتماع بنصيحة، فاعتذر لي؛ نظرًا للحالة الصحية وصعوبة الكلام، وطلب مني الجلوس وتكلم معي ببضع كلمات فيها نصائح مهمة، وقال: يا ريت توصلها للإخوة، فقلت: يا شيخنا هذا الكلام لا يوجه إلا من فضيلتكم مباشرة لأبنائكم، وأخذت منه وعدًا بأن نتشرف بوجوده في الاجتماع القادم، ويتكلم هو بما يريد من توجيهات مباشرة مع الإخوة فوعدني بذلك، ثم لما كان الاجتماع التالي بعده بثلاثة أشهر، وكانت الحالة الصحية أصعب من ذي قبل، وحرصًا مني على توجيهات الشيخ لأبنائه مع شفقتي عليه لحالته الصحية، فقد عرضت عليه الأمر باستحياء، لكن بمجرد أن ذكرته بالوعد السابق مع شدة تعبه، قال لي: هل وعدتك فعلًا، قلت له: نعم، قال: أنا فعلًا تعبان والكلام صعب، بس طالما وعدتك فسأحضر، وأنا أحتاج أن أتكلم معكم فعلًا -وهذا درس عملي عظيم في البذل، والوفاء بالوعد، والتواضع-، وفعلًا حضر الشيخ وقد أعاد على الإخوة ما قد ذكر بعضه لي قبل ذلك في لقائي السابق معه وزاد عليه، وتكلم رحمه الله لمدة 17 دقيقة تقريبًا حفر فيها خطوطًا عريضة، وتوجيهات عظيمة في كلمات قليلة مؤثرة وهو في إجهاد كبير.
وقد كان من مضمون تلك التوجيهات:
1- الحرص على تحقيق شمولية الإصلاح، والحذر من محاولات الاجتزاء أو الفصل بين مكونات الكيان الإصلاحي.
2- الحذر من البحث عن المكانة الشخصية داخل الصف، فأعظم ما يهدم الصف حرص الفرد على موقع أو تواجد معين بصورة معينة في الصف، مبينًا أن نهج الدعوة عبر تاريخها بأن المواقع داخل الصف لا تكون إلا بتكليف وليست برغبة من صاحبها أو بحث وحرص عليها، وهذا يجب أن يستمر في الأجيال القادمة ويحذر كل أحد أن تغلبه نفسه في ذلك.
3- الواجب علينا في مسارنا الإصلاحي بذل ما في وسعنا حتى مع قلة الإمكانيات وضعف الحالة المادية والإعلامية، وما علينا إلا الأخذ بالأسباب المتاحة مع البذل والعطاء وعلى الله البلاغ، كما كان حال إبراهيم -عليه السلام- بأن قام بما عليه من النداء، وكان البلاغ من الله للعالمين.
4- الحرص على استمرارية التعلم هو سمت الكيانات الإصلاحية المؤثرة، فطلب العلم والمذاكرة أمر في غاية الأهمية، والمنابر والدروس العلمية المتاحة والمجالات المفتوحة كثيرة الآن -وذلك لم يكن متاح قبل ذلك-، فكل هذه المجالات والمنابر يجب أن تُستثمر، مع الحرص على مصادر التلقي من المشايخ أصحاب المنهج الصحيح، والحرص على مخالطتهم في الواقع والتعلم من سمتهم وعلمهم ونقاشاتهم ورؤيتهم للواقع وفتاويهم، وذكر فضيلته -رحمه الله- ما كان في سنة 1979 م من مقابلتهم للشيخ الألباني -رحمه الله- في الحج في مخيمات مني وقد خالطوه واقتربوا منه، ووجدوه مثل الطالب ليلة الامتحان لا يضيع منها أي وقت، دائمًا منشغل بطلب العلم والمذاكرة.
5- الفترات المقبلة تحتاج لمجهودات ضخمة ونيات صادقة، فهي قد تحوي اختبارات كثيرة، فتحتاج إلى رحمات من الله، وحسن توكل عليه، وحرص على العمل داخل الكيان الإصلاحي بعقلية الجماعية لا الفردية، ويجب أن يظل العمل الإصلاحي داخل الكيان منسوبًا للكيان ككل وليس لفرد بعينه كائنًا من كان، فنحن نسير على أشواك والطريق غير ممهد، ومن أكبر طرق هدم الكيانات الإصلاحية هو جعل الكيان ينتمي لرمز أو فرد ثم يُعمل على هدم هذا الرمز أو الفرد ثم يهدم الكيان بعد ذلك بذلك.
الموقف الرابع:
