توجيهات مؤثرة... ودروس عملية من حياة الشيخ أبي إدريس -رحمه الله-
سامح بسيوني • مع الدعاة
وقد سبق أن ذكرته منفصلًا، بعنوان الوصية الأخيرة، حيث خصني بها وكانت قبل رمضان بقليل وقبل مرضه الشديد، وكانت على إثر موقف من بعض الإخوة اشتكى من تعكر قلبه بسبب بعض المنغصات في عمله الإصلاحي المكلف به، حيث كانت نصيحة الشيخ وكلماته -رحمه الله رحمة واسعة- في مثل هذا كالتالي: "من ابتعد عما مَنَّ به الله عليه من عمل إصلاحي بحجة أنه لا يريد أن يتعكر قلبه بسبب منغصات هذا الطريق وعوائقه، فإن قلبه سيتعكر عليه ويضيق بأي سبب آخر من أسباب تلك الدنيا المهلكة، وهذا الطريق الإصلاحي عاقبته -إن شاء الله- رضوان من الله، لكنه يحتاج إلى احتساب صادق، وصبر حقيقي، مع حكمة وطول نفس".
هذا ما أتاحت به الذاكرة من المواقف المؤثرة المباشرة مع فضيلة الشيخ أبي إدريس -رحمه الله-، علاوة طبعًا على ما كان منه من توجيهات في المحافل العامة للدعوة، والتي كانت طبقًا لطبيعته قليلة، ولكنها عميقة ومركزة؛ فالشيخ -رحمه الله- كان لا يحب الأضواء، يعمل دائمًا في هدوء وصمت، بعلم شرعي وإدراك جيد للواقع، وبحكمة وخبرة، وحنكة دعوية لا تناظر.
وكان -رحمه الله- لا يُحب المدح، ولا يطلب شهرة، وكان ذا عقلية إدارية فذة، حريصًا على ترسيخ معاني الإيمان والإحسان وقواعد العلم والعمل، والدعوة المنظمة المثمرة في نفوس أبنائه، وكان صاحب بصيرة وحكمة في قراراته، وكان صاحب رؤية مستقبلية مسددة موفقة -بفضل الله عليه-.
كان يفكر كثيرًا، ويتكلم قليلًا، يتابع الأعمال والأحداث عن كثب أولًا بأول، ويراعي المصلحة العامة للدين والوطن والدعوة على أي مصالح جزئية أخرى ضيقة.
وقد كان له دراسات شرعية متعددة، وله تحقيقاته الحديثية المتنوعة، وقد أسس لذلك مركز الهدي للدراسات الإسلامية بالإسكندرية.
وقد ترأس فضيلته قيادة مجلس إدارة الدعوة السلفية بمصر في فتراتها المختلفة، وتحمل حمل قيادتها مع باقي مشايخ مجلس إداراتها في مرحلة حرجة فارقة في عمر مصر، حيث قادوا دفة سفينة الدعوة بعلم وحكمة وإدراك في أمواج متلاطمة من الفتن، فعبروا بها بسلام -بفضل الله- من مسالك صعبة مزلزلة تعثر فيها جمع كثير.
والحقيقة أنك إن أردت أن تسترسل في وصف الشيخ أبي إدريس، فلن يسعفك القلم في تعداد أوصافه:
- فهو إذا رأيته أسرتك ابتسامته، واستنشقت عبير الإخلاص في كلماته.
- وإذا تكلم -مع قلة كلامه- تجد كلمات عميقة رزينة؛ تضبط الموازين وتصحح المفاهيم.
- لا يتحدث إلا بعد دراسة جيدة لما سيتكلم فيه، حريص على استمرارية الطلب والقراءة والتعلم مع علوِّ قدره، وعِظَم مكانته العلمية، وهو مع هذا يستمع لمن يتحدث له بإنصات وانتباه عجيب، ويزن الكلام بعقل راجح.
- متواضع مع كل أحد، سهل التعامل مع كل أحد، محب للخير باذلًا له.
- قائد حكيم، وإداري مدقق، متقن في متابعة العمل، منصف في تقييم الأفراد وحريص على كل أبنائه، معظم للعمل المؤسسي، رافض لفردية أي أحد.
الشيخ أبو إدريس -رحمه الله- فقده مصاب جلل على الدعوة الإسلامية، قد لا يستشعره البعض؛ نظرًا لأن الشيخ كان لا يحب الظهور ولا كثرة الكلام، لكنه كان ذا عمل عظيم الأثر، ونحسبه قد ترك وراءه ألف أثر وأثر.
رحمة الله عليك شيخنا تترًا، وصَبرنا الله على فراقك، وأعظم الله لك الأجر والمثوبة، ورفع درجاتك في أعلى عليين، ورزقك بفضله ومَنِّه مرافقة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في أعالي جنان الخلد، ومتعك الله بلذة النظر إلى وجهه الكريم.
