وقفات مع رحيل المصلحين
غريب أبو الحسن • مع الدعاة
وعموما فالإصلاح يشمل جميع مناحي الحياة، ونصيب كل مصلح من ذلك على قدر فهمه للإصلاح، وعلى قدر اتساع أفقه، وعلى قدر خبرته وممارسته، وعلى قدر ما فتح الله عليه من العلم بالشرع والواقع معًا.
فمن الناس من يكون إصلاحه على نفسه، ثم يتعامل مع المجتمع من خلال إنكاره بقلبه ما يراه من مخالفات، ولا يتعدى ذلك لمحاولته إصلاح المجتمع من حوله.
ومن الناس من يأخذ بابًا واحدًا من أبواب الإصلاح، كمن يهتم مثلًا بأمر الدعوة لمحاسن الأخلاق أو فضائل الأعمال، ثم يتخذ منبرًا واحدًا للحديث للناس، كوسائل التواصل أو الفضائيات، أو يأخذ باب تعليم الناس العلم النافع، ومن الناس من يتخصص في جزء من أبواب العلم؛ كمن يتخصص في تعليم الناس مصطلح الحديث، أو من يتخصص في باب إفتاء الناس وإرشادهم للحلال والحرام، ومن الناس من يهتم بالجانب الاجتماعي فيقيم المعارض الخيرية أو يقدم الخدمات التعليمية أو الخدمات الصحية، وفي كل خير شرط ألا يعتقد أنه قد أحاط بالإصلاح من جميع جوانبه، وألا يزدري أعمال غيره خاصة من يفوقه في إدراك كثرة أبواب الإصلاح والمشاركة فيها.
ولكن قلة من المصلحين من يدرك كل تلك المجالات، ويسعى أن يكون له سهم في كل تلك المجالات، وهذا يستلزم حسن فهم الشرع، ثم إدارك حاجة المجتمع في كل تلك المجالات، ثم يقوم بلازم ذلك؛ من جمع جهود المسلمين وتثقيفهم فيما يتعلق بأهمية تلك المجالات، ثم تهيئة هذه الجهود ووضع القواعد المنظمة لها والتأليف بين قلوبهم، وتوحيد الرؤية والجانب الفكري والإداري، ثم تربية الناس على آداب العمل الجماعي ودفع الناس نحو التعاون على البر والتقوى، فلا مجال أن يقوم الأفراد متفرقين بهذه الأنشطة، بل لابد من الاجتماع للقيام بها.
ولك أن تدرك فارق الجهد والخبرة والإدراك بين ذلك المصلح الذي يساهم في جزء من باب من أبواب الإصلاح، وربما ظن أن ذلك الجزء هو غاية المنى ومنتهى القصد، وبين ذلك الداعية الذي أدرك أولا معنى الإصلاح الشامل الذي يشمل كل مناحي الحياة، ثم أدرك أبواب الإصلاح بابًا بابًا، ثم دعى الناس للمشاركة فيها، ثم جمع جهود من استجاب له، ثم علمه ودرَّبه ووضع القواعد المنظمة لعمل المتطوعين في المجالات المختلفة، ثم ظل مراقبًا لكل هذه الجهود ينصح هذا ويساعد هذا ويحمس هذا، وربما تعرض مع كل هذا الجهد الذي يبذله لإصلاح مجتمعه لمضايقات ودفع ضريبة عمله من وقته أو ماله أو أمنه، وربما مع كل هذه الجهود لم يسلط على جهده الضوء، بل ربما تعرض للذم والسب والانتقاص ممن لم يبلغ معشار علمه أو عمله أو خبرته.
تخيل كل هذا لتدرك حجم الخسارة التي نخسرها برحيل أولئك المصلحين -أولئك الرواحل- واسعي الإدراك عاليي الهمة، ممَّن صقلته السنون ومحصته التجارب، وصار خزانًا للخبرة يمشي على الأرض، وعزاؤنا أن تلك سنة الله في خلقه: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) (آل عمران: 185) ، وأنه سيكمل الطريق من بعدهم ثمرة دعواتهم من دعاة وعلماء، ممن فهموا معنى الإصلاح الشامل، وتعلموا منهم أن أبواب الإصلاح متعددة، وأن نهوض الأمة يستلزم أن نساهم في كل تلك الأبواب، وأن الطريق يحتاج لصبر وتحمل، وأن أهل السنة يعرفون الحق ويرحمون الخلق، وعزاؤنا أن إمام المصلحين -صلى الله عليه وسلم- قد رحل، فقد قضى -سبحانه وتعالى-: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (الزمر: 30) ، ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) (آل عمران: 144) .
وكان في موت النبي -صلى الله عليه وسلم- العبرة والعظة والتسلية عن أي فقد وموت آخر، مات النبي -صلى الله عليه وسلم- وانقطع الوحي؛ فأي مصيبة بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- هي أهون، ومن حِكَمِ الله بموت النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن الدين لا يرتبط بأحد، فالمعبود هو الله والباقي هو الله، والرسل إنما يدلّون على الله ويرشدون الناس إلى طريق الله -سبحانه وتعالى-.
مات النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد ترك فينا ما إن تمسكنا به لن نضل بعده أبدًا؛ وهو كتاب الله وسنته -صلى الله عليه وسلم-، فالتزام الكتاب والسنة طريق نجاة من الضلال والفتن والخلاف.
مات النبي -صلى الله عليه وسلم- وارتدت العرب عن الدين، وارتفع صوت الصديق حينها قائلًا: "أينقص الدين وأنا حي؟!"، وتوعد من فرَّق بين الصلاة والزكاة، وتوعد من منع عناقًا كان يؤديها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل وأنفذ بعث أسامة رغم إحاطة الأعداء وخوف الأصدقاء، وسار يتتبع خطوات صاحبه خطوة خطوة حتى استقر الأمر وقمعت الأخطار.
مات النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن بلغ الدين مشارق الأرض ومغاربها ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فقد انطلق الصحب الكرام حاملين معهم نور الوحي من كتاب وسنة ينشرونهما في الناس ويعبدون العالمين لربهم، وقيض الله لكلماته -صلى الله عليه وسلم- من جهابذة يدونونها ويمحصونها ويميزون بين أسانيدها صحيحها وضعيفها، ثم قيض لها من شرحها وفرع منها العلوم واستخرج منها ومن قبلها كتاب الله ما أضاءت به الدينا كلها.
فلم يكن موت النبي -صلى الله عليه وسلم- مع عظم شأنه وعظم المصاب به النهاية، بل كان استئنافًا لحضارة إسلامية أخرجت الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان لعدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا لسعة الدنيا والآخرة.
يأتي الموت لنبصر كيف تكون النهايات، فكما قالوا: "كل حياة ترسم نهايتها"، من طالت به الحياة ورأى دورات الحياة حوله، سيرى كيف كانت نهايات الظالمين والمتجبرين، وكيف أن الله -سبحانه وتعالى- نصر المظلوم.
من طالت به الحياة يرى تقلب الأحوال، وكيف أن الغني صار فقيرًا والفقير صار غنيًّا، وكيف أن القوي صار ضعيفًا والضعيف صار قويًّا، وكيف قامت دول وزالت أخرى، ويرى كيف أن كل حياة ترسم نهايتها، وكيف يوفق الله -تعالى- من شاء من عباد لطاعته حتى آخر حياته، فالطريق إلى الله -سبحانه وتعالى- يسير فيه كثير، ولكن يثبت فيه مَن ثبته الله -سبحانه وتعالى-.
