وقفات مع رحيل المصلحين
غريب أبو الحسن • مع الدعاة
فمن كانت حياته دعوة إلى الله وحمل لهم الأمة ونشر لمنهج الإسلام القويم تكون نهايته بتوفيق الله على ذات الطريق مهما وهن منه البدن أو ضعفت منه القوى، وتلك خاتمة لا تشترى بالمال، وإنما بإنفاق الأعمار في العمل لدين الله، وبذل الجهد والمال والوقت في سبيله، وبابتغاء وجه الله، ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ) (الأنعام: 125) .
يأتي الموت إيذانًا بأن يريح المسافر راحلته، وأن ينزع المجاهد لأمته، فقد آن موسم الحصاد وآن لذلك البدن المنهك من طول الرحيل أن يستقر، وأن ينعم بعد تلك الرحلة الشاقة التي قضاها المصلح في نشر الخير ومدافعة الشر، يأتي الموت للمصلح لتخرج روحه في روح وريحان ورب راضٍ غير غضبان، وليزفه في كل سماء مقربوها -بإذن الله-، فلا كرب عليه بعد اليوم، وهذا حسن الظن بالله، فلن يضيع الله من دل عليه وهدى الناس إليه.
يأتي موت المصلحين ليكمل المسيرة من بعدهم ثمار دعوتهم ونتاج تربيتهم، ممن تربوا على أيديهم وتعلموا منهم معنى الإصلاح الشامل وتعلموا آداب العمل الجماعي وتعلموا القواعد التي تنظم العمل، قوم يخلف بعضهم بعضًا، فلا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته، فبموت المصلحين ينشغل بقيتهم بسد الثغرات وإكمال المسير وبذل النصح لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولسان حال الجميع مقولة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه وأرضاه-: "أينقص الدين وأنا حي؟ ".
يأتي الموت فينقطع كريم النفس عن الخصومة، بل ويندم أصحاب المروءات إن مات أحد المصلحين وبينه مشاحنة وخصومة.
يأتي موت المصلح فيندم العاقل على أنه لم يبادر لإزالة الشحناء واستسماح من اغتاب أو بهت من الصالحين، ولكن يأبى الله إلا أن يستمر أجر المصلح حتى بعد رحيله ببقاء أثره من علم ينتفع به أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له، وأيضًا كتب الله للصالحين من الأموات بقية أجر يجريه على ألسنة الأشقياء وأراذل البشر ممن يكمل في الطعن في الصالحين والنيل من أعراضهم بعد موتهم، وهذا من أغبى الناس؛ يضع على كاهله من الأوزار دون أن يحقق أدنى منفعة في دنياه، بل تلحقه مذمة الدنيا ثم استيفاء الحقوق في الآخرة.
وصل لنا الدين عبر رحلة طويلة تمتد لأكثر من أربعة عشر قرنًا، وصل إلينا بمجهود المصلحين من أعلام الأمة وأئمتها ودعاتها الذين حبب الله لهم طريق الدعوة وطريق هداية الناس للخير؛ تعلموا القرآن وعلموه فكانوا خير الناس، سمعوا مقالة النبي -صلى الله عليه وسلم- فوعوها فنقلوها كما سمعوها فكانوا أنضر الخلق وجوهًا، دعوا الناس إلى الله وتوحيده فكانوا أحسن الناس قولًا.
وعبر صفحات مشرقة من التاريخ سطرها المسلمون بالجهاد والصبر والبذل، وصل لنا القرآن لم ينقص حرفًا ولم يبدل حرفًا، ووصلت السنة مدونة مشروحة، أحاطها المسلمون بعلم فريد هو علم الإسناد، وسيصل الإسلام -بإذن الله- للأجيال من بعدنا، بجهود من يغرسهم الله لهذا الدين.
فاللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وارحم يا ربنا أئمة الهدى ودعاة الخير، اللهم جازهم عنا خير الجزاء، واجمعنا الله بهم في جنة الخلد إخوانًا على سرر متقابلين، واجمع قلوبنا على كتابك وعلى سنة نبيك -صلى الله عليه وسلم-.
