وداعا رُبَّان السفينة
الشيخ علاء بكر • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ودع أبناء الدعوة السلفية بحزن شديد وألم، ربان سفينتهم الشيخ أبا إدريس تغمده الله -تعالى- برحمته الواسعة، وذلك بعد رحلة عطاء ومثابرة في مجال الدعوة لأكثر من نصف قرن من الزمان، رحلة عطاء بدأها منذ أن كان طالبًا في كلية الهندسة، حيث شارك في تأسيس وفي أنشطة الجماعة الإسلامية في جامعة الإسكندرية في السبعينيات، وتولى خلالها إمارة الجماعة في كلية الهندسة.
وبعد مبايعة الجماعة الإسلامية في القاهرة وفي الإسكندرية للإخوان المسلمين: كان انفصال الشيخ مع مجموعة إخوانه (مجموعة محرم بك) خلال النصف الثاني من فترة السبعينيات وظهور المدرسة السلفية ثم تحولها إلى الدعوة السلفية بالإسكندرية، بمنهجها القائم على الأخذ بالكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح، الساعي إلى نشر العلم النافع والعمل به، وإحياء السنن النبوية ومحاربة البدع والخرافات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه الشرعية، وذلك من خلال عمل دعوي جماعي مؤسسي متكامل قائم على الشورى تمت عملية بنائه خطوة خطوة، لسد فروض الكفايات والتعاون على البر والتقوى، عبر أكثر من أربعة عقود تولى فيها كلها الشيخ أبو إدريس مهام القيادة والإدارة للدعوة السلفية باقتدار، فكان خلال تلك العقود كلها إذا قيل قيم الدعوة السلفية انصرف الذهن إليه دون سواه.
وبمعاونة الأخوة الأفاضل في مجلس إدارة الدعوة، في رحلة طويلة شاقة بين فترات من اليسر والأفراح، وأخرى من العسر والأتراح، فلم تنحرف فيها الدعوة عن نهجها رغم الضغوطات، ولم تجرفها التيارات الأخرى على شدتها، حتى بلغت الدعوة السلفية ما هي عليه الآن -بفضل الله تعالى-، عمل مؤسسي راسخ يمتاز بالصلابة وقوة التماسك، يتسلمه من جيل الرواد جيل من الشباب الواعد.
ولا شك أن للشيخ أبي إدريس الباع الكبير في بناء هذا الصرح الشامخ المترامي الأطراف في طول البلاد وعرضها؛ فقد كان -رحمه الله تعالى- على درجة عالية من القدرة على القيادة وعلى الإدارة والتوجيه والبناء والتربية، شهد له بذلك كل من تواصل معه، وكان أيضًا على درجة جيدة من العلم الشرعي والبحث والتدقيق، مع أدب جم وخلق وحلم وأناة وسعة صدر، له هيبة ووقار مع تواضع، قليل الكلام كثير التأمل، يستمع أكثر مما يتكلم، لكنه إذا تكلم كان سديد التوجيه والإرشاد، لا يغريه أبدًا حب الظهور والشهرة، ولا يلتفت إلى من يسيء إليه، وتحمل الكثير من المصاعب التي واجهت الدعوة في صبر، حفاظًا على الدعوة وعلى أبنائها، فجزاه الله تعالى خيرًا على ما قدَّم وأبلى.
وإذا كان لا يليق بمثلي أن يتكلم عن الشيخ أبي إدريس ويكتب عن سيرته؛ إذ إن هناك كثيرين أكثر دراية به مني، وكانوا أقرب إليه مني، خبروه ظاهرًا وباطنًا في العسر واليسر في الأفراح والأتراح ولسنوات طويلة، فهم قطعًا الأحق بالحديث عنه.
ولكن عرفانًا بالجميل ونشرًا لمواقف وذكريات له عندي كان لبعضها بصمات في حياتي، وإن مضى على بعضها أعوام طويلة، أرى أنه لا بأس بذكرها في هذا المقام:
- لعل أول ما رأيت الشيخ على ما أذكر كان أثناء حضوري لدروس المدرسة السلفية في أواخر السبعينيات بمسجد عباد الرحمن ببولكلي، وقد رأيته ذات يوم وقد عرض عليه أوراق فيها جداول لمسائل أظنها علمية، فقرأها وتأملها ثم أمسك بقلمه وعدل فيها وأضاف، وسلمها لمن قدمها له الذي تناولها شاكرًا، فكان انطباعي الأول عن الشيخ أنه على درجة جيدة من العلم والمعرفة.
- وفي عام 1980 أو 1981 تقريبًا حضرت دروسًا له في فقه الطهارة ألقاها في مسجد موجود أمام بوابة (نادي سبورتنج) المطل على شارع أبي قير (شارع جمال عبد الناصر) بجوار سكنه وقتها؛ كانت الدروس شرحًا منه لمتن مختصر (الدرر البهية) تضمنت: باب المياه، والنجاسات، وباب قضاء الحاجة، والوضوء ونواقض الوضوء، وفصل فيما يجب له الوضوء. وكلها من إملائه علينا، وربما فاتني منها شيئًا يسيرًا، ولا أزال أحتفظ بالكراسة التي ضمت كل ما ذكره شبه كاملة إلى اليوم، وهي تشهد بما كان عليه رحمه الله -تعالى- من الفقه منذ أكثر من أربعين عامًا.
- وخلال دراستي في معهد الفرقان لإعداد دعاة الدعوة السلفية بباكوس في النصف الثاني من الثمانينيات درَّس لنا -رحمه الله- كتاب الحج من كتاب: (كفاية الأخيار).
- بعد تخرجي من معهد الفرقان وخلال النصف الأول من التسعينيات، كان الشيخ يطلب مني من وقت لآخر الذهاب لإلقاء ندوة في أحد محافظات الجمهورية من خلال العمل الدعوي، فكان يسلمني مظروفًا به موضوع الندوة وعناصره، وبيان موعدها وكيفية الذهاب، ومكان اللقاء، ونحو ذلك، وفيه أحيانًا أسئلة أستفسر بها عن بعض أمور الإخوة في تلك المحافظة، وهي تدل على إلمامه بأحوال هؤلاء الإخوة ومشاكلهم وحرصه في متابعتها، فكنت أعود إليه بإجابات لهذه الاستفسارات، فكانت هذه من صور اهتمامه بالعمل بالمحافظات ومتابعتها، كان أمرًا جديدًا عليَّ، لكني اعتبرته تكليفًا ينبغي القيام به في حدود استطاعتي، وسمعته مرة بعدها يثني على مدى التزامي بهذا، وكيف أنني كنت أول من يسارع في كل مرة بتقديم تقريره عن زيارته للمحافظة المطلوب زيارتها بمجرد عودتي منها دون إبطاء وكما هو مطلوب مني -ولله الحمد-، وتلك الزيارات تم إيقافها في منتصف التسعينيات.
- وقد قام الشيخ بطباعة المحاضرات التي كنت أقوم بتدريسها في معهد الفرقان في مادة الفكر في بدايات التسعينيات، فكانت هي كتابي: (محاضرات في الغزو الفكري)، والتي تم طبعها لطلبة المعهد مرتين: الأولى بغلاف لونه برتقالي ووزعت مجانًا على طلبة المعهد، والثانية في العام التالي طبعت بغلاف لونه أزرق ووزعت أيضًا مجانًا على طلبة العام التالي في المعهد.
وأذكر أن الشيخ سألني عن الكتاب بعد مراجعته وطبعه، فلما أجبته بما فيه ثناء على الطبعة بدا عليه الارتياح والسرور، وهذه المحاضرات هي التي طبعت بعد ذلك وانتشرت -بحمد الله تعالى- في بداية الألفية الثالثة باسم: (مذاهب فكرية في الميزان)، طبعتها دار العقيدة بالإسكندرية، ثم دار فياض بالمنصورة، وقد ذاعت ولاقت قبولًا كبيرًا.
