وداعا رُبَّان السفينة
الشيخ علاء بكر • مع الدعاة
- وقد اختارني الشيخ -رحمه الله تعالى- بعد ذلك للعمل في مركز الهدى للدراسات مع مجموعة من الإخوة الباحثين، وقد جهَّز الشيخ المركز بالكثير من الكتب والمراجع القيمة، منها ما هو نادر، وقد خيرني بين أن أتقدم بإجازة من عملي في وزارة الصحة والتفرغ للعمل بالمركز أو بين الجمع بينهما، فاخترت الجمع بينهما، وخلال تلك الفترة تم تكليفي بعمل دراسة عن الشيعة تحت إشراف وتوجيه شيخنا الفاضل ياسر برهامي، وهو ما قمت بإنجازه -بحمد الله تعالى- خلال عامي: 1994 و1995، وهو الذي طبع بعد ذلك بداية الألفية الثالثة في كتاب باسم (عقيدة أهل السنة في الصحابة وأهل البيت والرد على الشيعة الاثني عشرية)، طبعته مكتبة دار العقيدة بالإسكندرية في مجلدين، ثم طبعته بعد ذلك مكتبة فياض بالمنصورة في مجلد واحد كبير.
ولقد كان لمركز الهدى للدراسات الثمار الطيبة في خدمة الدعوة وطلبة العلم الشرعي، منها: تحقيق وتخريج أحاديث كتاب (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ وعليه حاشية مأخوذة من كتاب (فضل الغني الحميد) للشيخ ياسر برهامي، وذلك في مجلدين، وقد شاركت في إعداده وكتبت مقدمته، وكذلك كان تحقيق وتخريج أحاديث كتاب (معارج القبول) للشيخ حافظ بن أحمد حكمي، وذلك في أربعة مجلدات، وكلاهما طبع لأول مرة في عام 1416 هجريًّا الموافق 1995 ميلاديًّا، كذلك قام المركز بمراجعة وتحقيق كتاب (الكافي) في الفقه الحنبلي.
وقد سمعت من الشيخ أن هذا الكتاب احتاج لمجهود كبير في تصحيح الأخطاء التي كانت في طبعاته السابقة بما فيها النقولات المذكورة فيه، وهو ما دفعني إلى اقتناء تلك النسخة المحققة والاستغناء عن نسخة كانت عندي من طبعة سابقة؛ أسأل الله -تعالى- أن تكون ثمار هذا المركز علم ينتفع به وصدقة جارية في ميزان حسنات الشيخ -رحمه الله تعالى-.
- وأذكر أنه بعد ذلك بسنوات قدم الشيخ لي مرجعين كبيرين عن الشيعة للاطلاع عليهما لما يعلمه من توسعي في دراسة التشيع والشيعة وقتها، فقمت بتصويرهما وإعادتهما إليه شاكرًا، فكانت هذه لفتة منه طيبة، وتشجيعًا لي على مزيد من البحث والدراسة.
- وفي مارس عام 1996 كنت قد قررت السفر للعمل في المملكة السعودية، واصطحبت معي عند السفر عدادًا كبيرًا من أمهات الكتب والمراجع في التصوف والترويج له، حيث نويت خلال هذا السفر إعداد بحث عن التصوف والرد على الصوفية. وفي يوم السفر توجهت إلى الشيخ لوداعه وأخبرته بما نويت، فحذرني أنه لن يسمح لي بإدخال هذه الكتب الصوفية إلى المملكة، فتنبهت للأمر، فقمت سريعًا قبل سفري بإعادة توزيع تلك الكتب وتفريقها بين محتويات حقائبي، وعدلت عن وضعها جميعًا في حقيبة واحدة، مما ساعد على دخولها المملكة معي، وهناك تفرغت لإعداد بحثي عن التصوف والصوفية، وقد طبعت الأجزاء التاريخية من هذا البحث بعد عودتي لمصر بعد ذلك في كتاب باسم: (مختصر تاريخ التصوف)، طبعته مكتبة دار الخلفاء بالإسكندرية، ثم طبعته مكتبة ابن الجوزي بالقاهرة، فكان لهذا التوجيه من الشيخ -رحمه الله تعالى- أثره في إتمام البحث، وظهور هذه الأجزاء منه، فجزاه الله عنا خيرًا.
- بعد ثورة 25 يناير 2011 قمت بكتابة مقالات عن الصحوة الإسلامية في مصر في فترة السبعينيات، واستقيت فيها أكثر معلوماتي عما لم أشهده من أحداث النصف الأول من السبعينيات من قراءاتي السابقة، وفي مقدمتها: من المصادر المطبوعة ما كتبه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عن مذكراته عن تلك الفترة في كتابه: (شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر:1970 - 1984)، ومن كتاب (حديث الذكريات) لشيخنا الفاضل دكتور أحمد فريد حفظه الله، إلى جانب ما كان متداولًا وقتها من حوارات على مواقع الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) مأخوذة من دكتور إبراهيم الزعفراني، ومن شيخنا الفاضل ياسر برهامي؛ بالإضافة إلى ما هو سائد من معلومات عن فترة السبعينيات والتي عايشت جانبًا منها، وكنت خلالها طالبا في كلية الطب جامعة الإسكندرية، ونشرت تلك المقالات بجريدة الفتح ثم طبعت في كتاب وانتشرت.
وكان من ثمار ذلك: أنه في اجتماع ضم عددًا كبيرًا من أبناء الدعوة السلفية في منتصف شهر ربيع الثاني 1435 هجريًّا الموافق منتصف شهر فبراير 2014 ميلاديًّا أبدى الشيخ أبو إدريس -وهو شاهد عيان حضر وشارك في أحداث هذه الفترة بقوة- انتقادًا حول ما ورد بكتابي وأفصح عن جوانب وأمور كثيرة وقعت في الإسكندرية في السبعينيات داخل كوادر العمل الإداري والتنظيمي داخل وخارج الجامعة أوائل وخلال فترة السبعينيات تناولت بدايات إنشاء الجماعة الإسلامية في الإسكندرية والقاهرة، ثم علاقة الجماعة الإسلامية في جامعتي: القاهرة والإسكندرية بقيادات الإخوان المسلمين بعد إفراج السادات عنهم ما بين عامي: 1971 و1974، ثم مبايعة القيادات الطلابية في الجماعة الإسلامية للإخوان المسلمين، ومحاولة فرض الإخوان المسلمين لمنهجهم الفكري؛ مما ترتب عليه إنشاء المدرسة السلفية واحتفاظها بمنهجها العلمي في النصف الثاني من فترة السبعينيات، والتي تحولت في عام 1982 إلى الدعوة السلفية.
وقد استدرك الشيخ -رحمه الله تعالى- أمورًا لم أكن أعرفها أنا ولا كثير غيري، وبالتالي لم أتعرض لها في كتابي عن الصحوة الإسلامية في تلك الفترة، فصحح بذكر ما غاب عنا من الأحداث والأوضاع بشيء من التفصيل إذ كان هو شاهد عيان فيها، بل ومشارك فيها، وجهلها الكثيرون، فعمت الفائدة بذلك، وهو ما دفعني إلى المسارعة بإصدار طبعة ثانية جديدة من كتابي هذا (الصحوة الإسلامية في مصر في السبعينيات)، ذكرت في مقدمتها ما كان، ولخصت بقدر الاستطاعة ما قاله الشيخ عن هذه المرحلة المبكرة من تاريخ الصحوة الإسلامية في مصر، ومن تاريخ ونشأة الدعوة السلفية في الإسكندرية متضمنًا مراحل أربع مرت لتأسيس الدعوة السلفية، ومؤكدًا على أن الغرض من إلقاء الضوء على تلك البدايات المبكرة التأكيد على معانٍ مهمة اتضح من عرضه مدى رسوخها في الدعوة السلفية منذ بدايات تأسيسها، منها:
- الالتزام بالمنهج السلفي في التلقي والعقيدة والدعوة والعمل.
- الالتزام بالسلمية والعلنية.
- السعي للتغيير المتدرج من القاعدة.
