شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مؤسسة تكوين الفكر العربي (1) باحثون لا يقرأون والنتيجة توابل في بردة كعب ومقدمة للموطأ لم يقرأها إلا البحيري!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد خرجت علينا وسائل الإعلام بحملة إعلانية احتفالية؛ مفادها: أن مؤسسة اسمها: "تكوين الفكر العربي" قد أقامت حفلها السنوي، وخصَّصته لتكريم طه حسين -رحمه الله- تحت عنوان: "خمسون عامًا على رحيل طه حسين: أين نحن من التجديد اليوم؟".

ونحن نعلم أن العرب لم يخرجوا من دروب الصحراء فيصبحوا أمة فاعلة ملء السمع والبصر؛ إلا حينما أعزهم الله بالإسلام، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنا كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بهذا الدِّين، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"؛ قالها وهو في طريقه إلى فتح بيت المقدس واستلام المسجد الأقصى، الذي في بلاد فلسطين الحبيبة مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما أطبق على ذلك المؤرخون، وخالف في ذلك مؤخرًا الدكتور يوسف زيدان -كما سيأتي-، وليسمح لنا الدكتور يوسف زيدان ألا نعير مخالفته لما أطبق عليه العلماء والمؤرخون أي درجة اهتمام.

وبالتالي كنا نظن أن يختار منشئو هذه المؤسسة لمهمة "تكوين الفكر العربي" أعلامًا من المهتمين بالشريعة الإسلامية والثقافة الإسلامية، وممن امتلأت قلوبهم بحبِّ الحضارة الإسلامية، ففاض هذا الحب على أقلامهم وألسنتهم نشرًا لفضائلها على البشرية، أو -على أقل التقديرات- أن يختاروهم من رجال اللغة العربية والأدب العربي المدافعين عن قضايا الأمة العربية.

ولكن -يا للأسف- يمكنك أن تطالع اليوتيوب وتبحث عن فيديوهات يقرأ فيها يوسف زيدان، أو إبراهيم عيسى، أو إسلام بحيري آيات من القرآن؛ وستفاجأ بمستوى صادمٍ من عدم القدرة على تهجي ما مكتوب أمامهم، مع تغيير تشكيل أواخر الكلمات بما يُحيل معنى الكثير مما يقرأون! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إذًا ما المدارس الفكرية التي ينتمي إليها باحثو مؤسسة "تكوين الفكر العربي"؟!

سوف نتناول بعض حصاد أفكارهم المر في مقالة قادمة -بإذن الله-، والتي منها:

- إنكار رحلة المعراج كما فعل إبراهيم عيسى.

- دعوى أن المسجد الأقصى المعظم في شريعتنا مسجد في الطائف، وليس المسجد الذي في فلسطين كما ادَّعى يوسف زيدان، فرد عليه إسلام البحيري: "بل هو الذي في فلسطين، ولكنه لا يمثِّل ولا واحد على الألف من مشكلتنا مع اليهود!".

- الطعن في صلاح الدين الأيوبي كما فعل يوسف زيدان.

- ترجمة شبهات المستشرقين حول السنة والشريعة كما يفعل إسلام البحيري.

وأسوأ من هذا كله: الدفاع عن إعادة طرح فلسفة وحدة الوجود، كما يفعل فراس سواح، ويوسف زيدان، وتحريف عقائد المسلمين -بل واليهود والنصارى- للخروج بادعاء أن الخلافات العقدية بينهم ليست كبيرة.

ومن الواضح جدًّا: أن يوسف زيدان، وفراس السواح هما كبيرا هذه المؤسسة، بل أفصحا عن أحلام تراودهما أن ينتزعا عمادة الفكر التغريبي في ثقافتنا العربية من طه حسين، حيث سأل الدكتور يوسف زيدان زميله فراس السواح: هل أنت أهم أم طه حسين أهم؟ فأجابه فراس: أنا وأنت أهم من طه حسين!

وهو من خذلان الله لهما؛ فبدآ المشروع بسخط من أنصار الشريعة الإسلامية، والثقافة العربية الأصيلة، وسخط من أنصار التغريب بعد ما تطاولا ووضعا أنفسهما في منزلة أبرز داعية للتغريب في الثقافة العربية رغم ادِّعاء عمادته لها؛ "طه حسين" -رحمه الله- (سوف نفرد مقالة -بإذن الله- نُبيِّن فيها توبة طه حسين وعودته إلى حضن الأمة؛ دفاعًا عن القرآن وعن إعجازه، وردًّا على المنصرين، بل ودفاعه عن دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب؛ أي: أنه مدح السلفية التي يراها أنصار التغريب عدوهم الأول، وهي كذلك -بفضل الله-، ونسأل الله أن تبقى كذلك -بفضله ورحمته-).

ولكن لعلي أكتفي في هذه المقالة بالتوقف عند قضية أولية، وهي:

هل يستحق هؤلاء القوم لقب باحث؟

وسوف أضرب لذلك مثالين في منتهى الوضوح: الأول: للدكتور يوسف زيدان كبير القوم، والمثال الثاني لأصغر القوم سنًّا -على الأقل فيما أعلم-، وهو: إسلام البحيري.

المثال الأول: يوسف زيدان وتوابل بردة كعب بن زهير بن أبي سلمى -رضي الله عنه-:

خرج علينا يوسف زيدان في إحدى حلقات صالونه الثقافي -وللمفارقة كانت مخصصة لبيان أهمية تعلم اللغة لفهم التراث-، وتعرَّض لشرح قصيدة كعب بن زهير بن أبي سلمى التي جاء بها بعد فتح مكة راغبًا في الإسلام، ومعتذرًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- عما كان منه من هجاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجرى فيها على عادة قومه من البدء ببكاء الأطلال أو نحوها من الأغراض، فكانت البداية بهذا البيت:

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتْبُولُ مـُتَيَّمٌ إِثـرَها لَم يُـجْـزَ مَـكـبـولُ

ومعنى البيت واضح: أن سعادًا قد فارقته فقلبه حزين من أجل هذا، ولكن الدكتور زيدان رأى أن "مَتبولُ" هنا معناها: "موضوع في التوابل!"، مصاحبًا قوله بتحريك راحة يده ذهابًا ومجيئًا -بصورة تشعرك أنه يُتبل شرائح لحم أو دجاج!-؛ مما حدا ببعض المتابعين أن يتساءل: هل أراد يوسف زيدان أن يقول أن "سعاد" -الحبيبة الافتراضية للشاعر- من آكلي لحوم البشر؟ فتبَّلت قلبه بالتوابل وأكلته؟!

لكن هذا لن يتماشى مع كون هذا التتبيل كان من جراء رحيلها، لا أنه فِعْلٌ لها!

ولو فتح يوسف زيدان أي شرح للقصيدة، أو حتى لو فتح معجمًا لوجد المعنى الذي أراده الشاعر أمامه، ولكنها روح الاستسهال الموجودة عند مَن انتزع لقب: "مثقف"؛ جعلته يُفسِّر اللفظ بأقرب معنى دارج له!

وبعيدًا عن التاريخ الذي صنعه بعضهم في ميادين بحث أخرى، فمن الواضح جدًّا أنه بمجرد الانضمام إلى جوقة الهجوم على التراث الإسلامي، فلن يحتاج الواحد منهم إلى أن يقرأ أو يبحث.

وإنما فقط يستثمرون أضواء الإعلام عبر بعض الوسائل الإعلامية الراغبة في تلميع كل هدم في تاريخنا، فيخرج أحدهم على المشاهِد، وقد راجع كل شيء: كالبدلة، ورابطة العنق، ومثبِّت الشعر، وبريق الحذاء، ولكنه لم يراجع ما ينوي أن يبثه على المشاهد!

ولا أتحدث هنا عن أسئلة مفخخة مفاجئة من مذيع ولا سائل عبر الهاتف، بل في صلب الموضوع الذي أعدَّه سلفًا، وجاء يحدثنا فيه.

الصفحة التالية