شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مؤسسة تكوين الفكر العربي (1) باحثون لا يقرأون والنتيجة توابل في بردة كعب ومقدمة للموطأ لم يقرأها إلا البحيري!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وبالطبع أثارت "توابل" الدكتور زيدان حفيظة كثير من متابعيه؛ فردوا عليه، والقضية إلى هنا لغوية محضة، وليس فيها كلام فكري عما يسميه هؤلاء بالإسلام السياسي -وهو شفرة لكل شيء في الإسلام يريدون مهاجمته؛ سواء كان الحجاب، أو غض البصر، أو تشريعات الأسرة، أو حرمة الربا، أو خلافه-.

ومع هذا فقاموس هؤلاء المثقفين -ممن أتوا لتكوين فكرنا!- معروف، وهو: "أن منتقديهم من جماعات الإسلام السياسي أو من الإخوان، أو السلفية الغارقين في تقديس التراث…".

وإذا لزم الأمر فسيلجأون لقاموس "أبطال مسلسلات الأكشن وأغاني الراب" من أن المعترضين كلهم حشرات وفئران، إلخ (يمكن مراجعة ما دار بين يوسف زيدان ومنتقدي توابله على صفحات السوشيال ميديا).

المثال الثاني: مقدمة الموطأ التي لم يقرأها إلا إسلام البحيري:

من يستمع إلى ما يقدمه إسلام البحيري من نقض لما تلقته الأمة بالقبول من أحاديث وأحكام عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان؛ يشعرك أنه يمارس دور مدرس الحضانة وهو يعلم الأطفال الصغار مبادئ التفكير! فهو يكتشف لهم أخطاءهم منفردًا، ثم يشمر عن ساعده في شرحها لهم، فنجده يدعي أنه اكتشف -مثلًا-: أن الأئمة الأربعة كلهم أسسوا مذاهبهم قبل تصنيف البخاري لصحيحه، وبالتالي فمنزلة البخاري ليست إلا منزلة وهمية صنعها مَن يدمنون تقديس البشر!

ولا شك أن طبقة تلاميذ هؤلاء الأئمة هم من أدركوا البخاري، وأثنوا عليه ورفعوا قدره؛ ومن ثَمَّ فمن العار ألا يكلف هذا الشخص نفسه "عناء البحث" عن إجابة على لسان هؤلاء عن سؤال: "لماذا عظَّموا البخاري، ومذاهبهم في غنى عنه؟!"؛ على الأقل باعتبارهم أناسًا عقلاء تتابعوا على هذا جيلًا بعد جيل.

وفي الواقع: إن جمع الحديث كان قبل البخاري بكثير، ولكن مشروع البخاري كان أنه انتخب الأحاديث الأصح سندًا، وقام عليها في الجملة فقه الفقهاء، ولذلك رتب كتابه على أبواب الفقه.

ولذلك اتفقت الأمة أن أصول كتب السنة ستة، وقد جاءت كلها مرتبة على أبواب الفقه، وكان من أساس التصنيف عند مصنفيها مراعاة استدلال الفقهاء بما يجمعونه؛ ولذلك نجد أن الترمذي كثيرًا ما يقول عبارة: "وعليه العمل عند أهل العلم".

المهم أنه في ثنايا مناقشته هذا الكلام في مناظرته الشهيرة في برنامج "ممكن"، أضاف البحيري: أن الإمام البخاري روى عن هشام بن عروة حديث زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- من عائشة، وحديث السِّحْر. وأن الإمام مالك لم يروهما في "الموطأ" مع أنه لقي هشام بن عروة. فلما قيل له: وهل هذا يعني أن كل ما لم يروه مالك عن هشام بن عروة يكون مردودًا وإن رواه عنه غيره؟! قال: "نعم، هكذا قال الإمام مالك في مقدمة الموطأ!".

وحاول محاوره أن ينبهه إلى أن الإمام مالك لم يكتب مقدمة للموطأ فلم ينتبه إلا بعد عدة مرات، فقال: "ولكن الطاهر بن عاشور ذكره في التحرير والتنوير عن الإمام مالك في الموطأ!"، فتم تنبيهه مرة أخرى إلى أن الطاهر بن عاشور معاصر، و كتاب "التحرير والتنوير" له كتاب تفسير، ولا علاقة له بالموطأ! فقال: "ولكنه مطلع على مخطوطات في المذهب المالكي لم تنشر!".

طيب إذا كان الطاهر بن عاشور قد اطلع على مخطوطات، فهل كان منها مقدمة الموطأ؟ وإذا كان فأين اطلع إسلام البحيري عليها؟!

الخلاصة التي لا مناص منها: أن كل واحدٍ من هؤلاء يُحدثنا بما يترجمه عن آراء المستشرقين، دون أن يُكلِّف نفسه حتى أن يفتح كتابًا ليبدو الأمر كما لو كان قد قام بالبحث.

ولعل لسان حالهم يكون ترديدًا لقول الشيخ علي عبد الرزاق عن قوله في كتاب: "الإسلام وأصول الحكم": إن الإسلام مجرد علاقة روحية بين العبد وبين ربه: "إنها عبارة ألقاها الشيطان على لسانه".

فلا ندري كم عبارة ألقاها الشيطان على ألسنة وأقلام أقوام! ولكن يسهل رصدها، فهي تلك العبارات المصادمة لنصوص الكتاب والسُّنة، الدخيلة عما ارتضته الأمة عبر تاريخها، والتي متى طولب صاحبها أن يسند لنا عباراته استعان بالمراوغة والكذب، أو الإحالة على مخطوطات نما إلى علمه أن غيره قد اطلع عليها، ولكن في هذه الحالة سيبقى محتاجًا إلى تبرير علي عبد الرزاق: "الشيطان الذي يكتب بقلم أحدهم ما يكتب".

الخلاصة: أننا أمام أقوام تجرأوا على الطعن في كثير من الثوابت، مدعين أنهم وصلوا إلى هذا عبر أبحاث لم يقوموا بها أصلًا، وإنما يرددون إنتاج المستشرقين وفضائحهم العلمية من حيث الشكل، حتى بغض النظر عن النتائج!

وكنت أتمنى أن يُعامِلوا الأئمة الأربعة، والبخاري ومسلم -وقد بقيت الأمة تنهل من نتاجهم أربعة عشر قرنًا من الزمان- معاملة طه حسين، والذي فقط لما شبهوا أنفسهم به -ولعل الذي جرأهم على هذا أنهم سوف يرعون حيث رعى هو مسبقًا قبل توبته رحمه الله-، إذا بسرعة غضب الغاضبون، وبسرعة البرق تراجع هؤلاء الذين أبوا -حتى من سُجِن منهم- أن يتراجعوا عن الطعن في أئمتنا وثوابت ديننا؛ هذا من حيث الشكل.

وأما من حيث المضمون: فكلامهم مصادم في كثيرٍ منه لصريح الكتاب والسنة ولما أجمعت عليه الأئمة، ويتضمن سبًّا وطعنًا في الأئمة الأربعة، والبخاري ومسلم، وغيرهما من أئمة الحديث، أو إنكارًا للواقع الملموس الممتد جيلًا بعد جيل من كون المسجد الذي في القدس هو ثالث المساجد المفضَّلة في شرعنا.

وهي أطروحات تلتقي مع رغبات يهودية؛ فلا إسراء أصلًا كما ادَّعى إبراهيم عيسى، ولو كان؛ فهو لم يكن إلى القدس كما ادَّعى زيدان، ولو كان فهو لا يمثِّل شيئًا ذا بال كما ادَّعى البحيري! وعقائد المسلمين وعقائد اليهود والنصارى لا يوجد بينها اختلاف كبير كما يدعي فراس السواح! أو لو كانت من حيث الظاهر مختلفة؛ فالتفسير الباطني الغنوصي المنادي بوحدة الوجود يجعلهم متطابقين، ومِن ثَمَّ يطالبون بأن يُفسح المجال لهذا الكفر المبين المنكر لآكد عقائد المسلمين: ( ‌قُلْ ‌هُوَ ‌اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (الإخلاص) .

مع استدعاء رمز تغريبي، وهو: الدكتور طه حسين تحت شعار: "تكوين الفكر العربي".

الصفحة السابقة الصفحة التالية