الكبائر (38) اتخاذ الأصنام والتماثيل (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .
- الإشارة إلى خطورة انتشار نصب الأصنام والتماثيل في هذا الزمان على نطاق الشوارع والميادين والبيوت، والقاعات والملاهي والجامعات، وعموم أماكن التجمعات: عن أَبي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَضْطَرِبَ ألَياتُ نِساءِ دَوْسٍ علَى ذِي الخَلَصَةِ )، وَذُو الخَلَصَةِ: طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ. (متفق عليه) . قال العلماء: في هذا الحديث إشارة إلى ما سيحدث من الردة والرجوع إلى عبادة الأصنام في آخر الزمان.
- اتخاذ الأصنام والتماثيل كبيرة من أكبر الكبائر؛ لما لها من أثر سيئ على عقيدة التوحيد، وقد جاء فيها الوعيد الشديد والعذاب الأكيد: عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( إنَّ أشدَّ النَّاسِ عذابًا عندَ اللَّهِ المصَوِّرونَ ) (متفق عليه) ، وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إنَّ الَّذينَ يصنَعونَ هذهِ الصُّوَرَ يُعذَّبونَ يومَ القيامةِ فيُقالُ لَهُم: أحيوا ما خَلَقتُمْ ) (متفق عليه) .
(1) معنى الصورة في اللغة وكلام العلماء:
- قال في لسان العرب: "والتمثال: الصورة، والجمع التماثيل، وظلُّ كلِّ شيء تمثالُه، والتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله، وأصله: من مثَّلت الشيء بالشيء إذا قدَّرته على قدره، ويكون تمثيل الشيء بالشيء تشبيهًا به" (لسان العرب لابن منظور بتصرف يسير) .
- وأما في كلام العلماء فإنهم يتناولون في بحثهم لمعنى الصور وما يندرج تحتها ثلاثة أنواع مختلفة:
الأول: الصور المجسمة التي لها ظلٌ (وهو محل اتفاق على التحريم) (1) .
الثاني: الرسم باليَد (محل خلاف).
الثالث: التصوير الفوتوغرافي المعاصر (محل خلاف).
- والنوع الأول -وهي الصور المجسمة أو التي لها ظل كما يطلق عليها السلف- هو غرضنا من الحديث؛ لبيان موقف الإسلام منها.
(2) من الأدلة على تحريم التماثيل والأصنام:
- عن أبي جحيفة -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ولَعَنَ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ، والواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ والمُصَوِّرَ ) (رواه البخاري) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيْهِ تَمَاثِيلُ أَوْ تَصَاوِيرُ ) (رواه مسلم) ، وعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( كلُّ مُصوِّرٍ في النَّارِ، يُجْعَلُ له بكلِّ صورةٍ صوَّرها نفسٌ فتُعذِّبُه في جهنَّمَ ) (متفق عليه) ، وعن أبي الهيَّاج الأسديِّ قال: قال لي عليُّ بن أبي طالبٍ -رضي الله عنه-: "أَلَا أَبْعَثُكَ علَى ما بَعَثَنِي عليه رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ أَنْ لا تَدَعَ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ" (رواه مسلم) ، وفي لفظٍ له: ( ولا صورةً إلا طمستَها ).
وعن عائشة -رضي الله عنها-: أنَّها اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فيها تَصاوِيرُ، فَقامَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالبابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَقُلتُ: أتُوبُ إلى اللَّهِ ممَّا أذْنَبْتُ، قالَ: ( ما هذِه النُّمْرُقَةُ؟ ) قُلتُ: لِتَجْلِسَ عليها وتَوَسَّدَها، قالَ: ( إنَّ أصْحابَ هذِه الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَومَ القِيامَةِ، يُقالُ لهمْ: أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ، وإنَّ المَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فيه الصُّورَةُ ) (رواه البخاري) ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ( كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ )، وَقَالَ -أي: ابن عباس-: "إِنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لا نَفْسَ لَهُ" (متفق عليه) .
(3) الحكمة من تحريم التماثيل:
تدل النصوص على عدة حِكَمٍ يتعلق بها تحريم التماثيل، أهمها أمران:
الأول: مضاهاة خلق الله: وهذا مذكور صراحة في الأحاديث؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ( قَالَ اللَّهُ -عزَّ وجلَّ-: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أوْ شَعِيرَةً ) (متفق عليه) .
- والثاني: سد ذريعة الشرك: قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في أسماء معبودات قوم نوح: "أسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشَّيْطَانُ إلى قَوْمِهِمْ: أنِ انْصِبُوا إلى مَجَالِسِهِمُ الَّتي كَانُوا يَجْلِسُونَ أنْصَابًا، وسَمُّوهَا بأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حتَّى إذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ" (رواه البخاري) .
(4) شبهات يحتجُّ بها من يجوِّز نصب التماثيل:
- الشبهة الأولى: اتِّخاذ سليمان -عليه السلام- للتماثيل لقوله -تعالى-: ( يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (سبأ: 13) .
والجواب من وجوه:
أولًا: أن هذا باطل؛ لمخالفته الإجماع.
