الكبائر (38) اتخاذ الأصنام والتماثيل (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
ثانيًا: "أنه لو كانت التماثيل لذوات الأرواح فإنها لا تدل على إباحتها؛ فإن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إذا ورد شرعنا بخلافه، وهذا محل اتفاق بين العلماء" (أضواء البيان) .
ثالثًا: أنه يحتمل أن يكون تماثيل للجمادات وغير ذوات الأرواح، وهذا جائز في شريعتنا أيضًا، فلا يكون إشكال، وهذا أقرب؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذمَّ من قبلنا لاتِّخاذهم الصور، كما جاء في قوله لأم سلمة: ( أُولَئِكِ إذَا مَاتَ منهمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا علَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فيه تِلكَ الصُّورَةَ أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ ) (رواه البخاري) ، فدلَّ ذلك على أن اتخاذ الصور محدَث أحدثه عُبّاد الأوثان. (فتح الباري) .
- الشبهة الثانية: عدم كسر الصحابة للأوثان في البلاد المفتوحة:
والجواب من وجوه:
أولًا: أنه لكي يستدلَّ بمثل هذا لا بد من إثبات أنَ الصحابة رأوا هذه التماثيل، وقدروا على إزالتها ولم يفعلوا، وأنى يمكن إثباتُ ذلك؟! فاحتمال أنهم لم يروها وارد جدًّا، فلم يثبت رؤيتهم لشيء من ذلك في مصر أو الشام أو العراق.
ثانيًا: أنه قد ذكر بعض المؤرخين أن هذه التماثيل كانت مطمورة في التراب؛ خاصة أنه لم يكن يهتم بها الناس أصلًا لزمن قريب جدًّا، وكانوا يهملونها غاية الإهمال، وربما جعلوها مكَبًّا لنفاياتهم ونحو ذلك؛ حتى عظَّمها الغرب في نفوسهم من أجل تعزيز الانتماء للقوميات المنافية للإسلام.
ثالثًا: لو فرضنا أنهم رأوها، يبقى احتمال عدم قدرتهم على إزالتها؛ فإن تكسيرها ليس بالسهل، وقد ذكر ابن خلدون أن المأمون حاول هدم بعضها فلم يقدر. (مقدمة ابن خلدون) . فمثل هذه الوقائع لا تقاوم النصوص والإجماعات القطعية التي سبق بيانها.
- الشبهة الثالثة: إن تحريم التصوير كان في بداية الإسلام بسبب تعلق القلوب بعبادة الأصنام، وهذه المفسدة قد زالت من قلوب الناس، وصارت هناك مصلحة في إقامتها، وهي ربط الناس برموزهم الدينية والوطنية.
والجواب من وجوه:
أولًا: ليست علَّة تحريم التصوير منحصرةً فقط في ذلك، بل هناك علل أخرى أشرنا لبعضها.
ثانيًا: مَن قال: إن الناس الآن لا يُخَاف عليهم الشرك؟! ومن يأمن على نفسه البلاء إلا جاهل بالشرك أو بنفسه أو بربِّه؟! وإذا كان الخليل -عليه السلام- يدعو ربه قائلًا: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ) (إبراهيم: 35) ، فمن يأمن البلاء بعد إمام الحنفاء؟! ومن يتأمل واقع الناس اليوم في المشارق والمغارب يجد افتتانهم بالصور في معابدهم، وتعلّقهم بصور كبرائهم ومعظَّميهم ومتبوعيهم، بل كثير من المتصوفة يعلّقون صور شيوخهم ويتبرَّكون بها ويخاطبونها، كما يفعل النصارى مع صورة مريم والمسيح -المزعومتين-؛ فكيف يقال: إن الناس الآن لا يخاف عليهم من الشرك والافتتان بالصور؟!
ثالثًا: لو فرضنا أن الأكثر الآن لا يُخاف عليهم من ذلك؛ فقد تأتي أجيال بعد ذلك، مع فشو الجهل أكثر، ونسيان العلم أكثر، فتقع في المحظور كما حدث لقوم نوح.
رابعًا: إن مصلحة الدين مقدمة على سائر المصالح، فإذا قدَّرنا أن في نصب التماثيل المجسمة مصلحة، ففيها مفسدة أعظم تتعلَّق بالدين وهي ذريعة الشرك ومخالفة الشريعة، ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح؛ فكيف إذا كانت هذه المصلحة يمكن تحصيلها بطرق كثيرة أخرى؟! فربط الشباب برموزهم الصالحة ليس موقوفًا على إقامة المجسمات في الميادين، وإلا فأين تماثيل الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة، وأئمة الفقه والحديث، وأبطال الإسلام، وغيرهم من المصلحين؛ حكامًا وعلماء ودعاة؟! (2) .
خاتمة:
- كيف لمسلم بعد كل ذلك أن يتلبس بهذه الشبهات الواهية التي تعارض أعظم مقاصد البعثة النبوية؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن عبسة حين سأله: وَبِأَيِّ شَيءٍ أَرْسَلَكَ؟ قالَ: ( أَرْسَلَنِي بصِلَةِ الأرْحَامِ، وَكَسْرِ الأوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لا يُشْرَكُ به شَيءٌ... ) (رواه مسلم) .
وقال -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب: 21) ، وقال: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الحشر: 7) .
- والله -سبحانه وتعالى- لن يسأل الناس عن استجابتهم لأحد يوم القيامة غير الرسول -صلى الله عليه وسلم-: فيقول -سبحانه-: ( مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) (القصص: 65) .
فاللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال النووي -رحمه الله-: "وأجمعوا على منع ما كان له ظلٌّ ووجوب تغييره. قال القاضي: إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في ذلك) (شرح صحيح مسلم) . وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-: "فإنها -أي: الصور- محرمةٌ إذا كانت أجسادًا بالإجماع" (المسالك في شرح موطأ مالك) . وقد نقل ابن حجر -رحمه الله- هذا الإجماع، وأقره عليه (فتح الباري) . وقال خليل المالكي: "التماثيل إن كان بغير حيوان كالشجر جاز، وإن كان بحيوان مما له ظل قائم فهو حرام بإجماع" (التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب) . والنقول في ذلك كثيرة، فليس بين العلماء اختلاف في تحريم صور الحيوان المجسمة.
(2) من بحث على موقع (سلف للبحوث والدراسات - إشراف د/ محمد بن إبراهيم السعيدي بعنوان: تحريم التماثيل صيانة لجناب التوحيد - للأستاذ شريف طه).
