شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (٢)

محمود أمين • المنهج السلفي

الرد على من زعم أن الجنة ليست حكرًا على المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تكلمنا في المقال السابق أن مسألة عدم دخول الجنة لغير المسلمين مسألة قطعية لا خلاف فيها، وأن مَن يدعي أن الجنة ليست حكرًا على المسلمين يرد عليه بثلاث مُسَلَّمَات قطعية لا يصح الخلاف فيها.

وذكرنا أول مسلمة وهي: (أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة)، وهي نص نبوي جاء في صحيح البخاري ومسلم، وكتب السنن والمسانيد، وأن دلالة هذا الحديث قطعية؛ لعدة أمور:

?- أنه جاء بصيغة النفي والاستثناء، وهي تفيد الحصر والقصر، فتفيد أنه لا يدخل الجنة غيرهم.

?- أنه جاء في صحيح البخاري ومسلم بعدة أسانيد وروايات مختلفة، كما أنه جاء في كتب السنن والمسانيد؛ فهو في أعلى درجات الصحة.

?- أنه بيان من السنة القولية من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-.

?- أنه تكرر في مواضع وأوقات مختلفة.

?- أنه كان في خطبة وجمع من الناس، وفي بعضها أنه كان في حجة الوداع في أيام التشريق.

?- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن بلَّغ بذلك أكد عليه، فقال: ( اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ ) (رواه مسلم) .

?- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بلالًا وعمر وعليًّا وأبا بكر، أن ينادوا بذلك كما جاء في الأحاديث في أوقات ووقائع مختلفة.

?- أن نداء علي كان في الحج في مجمع كبير من الناس، وفي حضور المشركين.

?- أن عليًّا نادي في الناس بذلك بأعلى صوته حتى بح صوته من النداء، وكان أبو بكر الصديق إذا عيَّ -أي: تعب- عليٌّ مِن النداء، نادى هو.

وذكر النووي أن هذا الحديث نص في أنه لا يدخل الجنة كافر، ونقل الإجماع على ذلك، فقال: "هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ أَصْلًا وَهَذَا النَّصُّ عَلَى عُمُومِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ" (شرح النووي على مسلم) .

ومن المسائل التي يلبِّس بها البعض على الناس في هذه المسألة، مسألة اتباع غير المسلمين لأنبياء ورسل آخرين غير النبي -صلى الله عليه وسلم- وإيمانهم بكتب خاصة بهم: كالتوراة، والإنجيل، ومِن ثَمَّ يزعم أنهم مؤمنون، والبعض ربما استدل على ذلك بقوله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ ‌هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (البقرة: 62) .

ولذلك سنبيِّن أولًا مسألة الإيمان بالرسل والكتب، ثم نذكر كلام أهل العلم في معنى الآية.

أولًا: الفهم الصحيح لقضية الإيمان بالرسل والكتب:

مسألة الإيمان بالرسل والكتب والشرائع -كما هو معلوم لكل طالب علم، بل لكل مسلم- على نوعين:

الأول: قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان كل رسول يبعث إلى قومه خاصة وكل الرسل جاءوا بعقيدة واحدة، وهي "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"، فجميعهم جاء بعقيدة التوحيد: "لا إله إلا الله".

وأما الشرائع؛ فقد اختلفت شرائعهم كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ) (رواه البخاري) .

والعلات: جمع عَلَّة وهي الضَّرة، وبنو العلات: الإخوة من أب واحد وأمهاتهم مختلفة، والمراد: أن أصل دين الأنبياء واحد وإن كانت شرائعهم مختلفة.

وبالتالي فقبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- مَن بلغه دعوة نبي يلزمه أن يؤمن بالله ويدخل في دعوة التوحيد، وأما الشريعة فلا تلزمه إلا إذا كان من قوم النبي الذي جاء بهذه الشريعة.

الثاني: بعد بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان من خصائصه -صلى الله عليه وسلم- أنه بعث إلى الناس عامة، وبالتالي أصبحت شريعته ملزمة لجميع الخلق إلى يوم القيامة، ونسخت شريعته الشرائع السابقة؛ قال -تعالى-: ( قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ‌إِلَيْكُمْ ‌جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (الأعراف: 158) ، وقال -تعالى-: ( ‌وَمَا ‌أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (سبأ: 28) .

وبالتالي فلا يسع أحدًا ألا يؤمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، أو يترك اتباع شريعته، ولا يسع أحدًا أن يكذب بالقرآن، أو أن يترك العمل بما فيه، ولو كان من أتباع نبي سابق؛ لأن شريعة الإسلام الخاتمة التي بعث بها النبي -صلى الله عليه وسلم- نسخت ما قبلها من الشرائع، وهذا أمر مجمع عليه متواتر عند جميع أهل العلم؛ قال -تعالى-: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ‌وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) (المائدة: 48) ، فكان نزول القرآن مصدقًا لما أخبرت به الكتب السابقة عنه، كما أنه مهيمن عليها؛ أي: أمين وشاهد وحاكم عليها، فلا حاجة للعمل بها مع نزول القرآن.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "( مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ) أي: من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-، فكان نزوله كما أخبرت به، مما زادها صدقًا عند حامليها من ذوي البصائر، الذين انقادوا لأمر الله واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسل الله، كما قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ ‌أُوتُوا ‌الْعِلْمَ ‌مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا . وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ) (الإسراء: 107-108) ، أي: إن كان ما وعدنا الله على ألسنة الرسل المتقدمين من مجيء محمد -عليه السلام-، ( لَمَفْعُولًا ) أي: لكائنًا لا محالة ولا بد".

الصفحة التالية