شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تراثنا دائم التجديد ذاتي النقد

شحات رجب بقوش • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن التراث الإسلامي هو نتاج حراك علمي ضخم استمر عبر القرون منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وعبر بقعة جغرافية واسعة امتدت مِن أقاصي آسيا شرقًا وحتى الأطلنطي غربًا، مع توغلها في جنوب أوروبا وأواسط إفريقيا، وساهم في بناء هذا التراث الكثير من العلماء، والعديد من المدارس والمساجد، إلى أن أصبح هذا التراث يزين كل مكتبات الدنيا خارج بلاد الإسلام وداخلها، وظل هذا التراث محل اهتمام الدوائر العلمية في بلاد الغرب لعدة قرون، ينهلون من علوم المسلمين من ناحية، ويتعرفون على سمات هذا الدين وأهله من ناحية أخرى تمهيدًا للانقضاض عليهم.

وهذا التراث تراث متنوع ومتكامل، يشغل معظمه علوم الشريعة واللغة، وفيه أيضًا نسبة كبيرة مِن التراث العلمي في الفلك، والرياضيات، والطب، والنبات، والحيوان، والتاريخ والجغرافيا.

ومع ذلك تجد مع هذه الميزات في التراث الإسلامي أن هناك مَن ينادي بإعدامه، وبعضهم يترقق في عدوانه على التراث فيطالب بتجديده ودراسته دراسة ناقدة، زعمًا منهم لأمرين:

الأول: أنه تراث قديم لا يناسب الحياة المعاصرة؛ فيجب تجديده.

ثانيًا: أنه تراث من جهد البشر فيه الصحيح والسقيم فيجب نقده.

والواقع أن كل هذه الدعوات لا تعرف طبيعة تراثنا ولم يقم أصحابها بدراسة التراث الإسلامي دراسة متأنية قبل إصدار هذه الأحكام الخاطئة، فإن الذي ينظر للتراث نظرة إنصاف يجد أنه دائم التجديد، وذاتي النقد، لا ينتظر نظريات وضوابط يضعها الغرب أو تستورد من حضارات مغايرة لحضارتنا الإسلامية فنخضع تراثنا لأحكامها، وفيما يلي نناقش هاتين القضيتين:

أولًا: التجديد المستمر للتراث:

إن الذي يتابع الدورة التراثية لكتابٍ ما يجد أن معظم هذه الكتب في حالة تجديد مستمر، فإن كثيرًا مِن الكتب التي هي عمدة في بابها تمر بدورة تراثية طويلة تهدف على التجديد المستمر لها، فالكتاب بعد ما يتركه مصنفه ويمر عليه مدة تجد عالمًا محبًّا للتجديد يأتي إلى هذا الكتاب فيشرح ما غمض من ألفاظه ليقربه إلى أهل عصره بعد ما مضى على مؤلفه زمانًا، ثم بعد الشارح يأتي المحشي فيستدرك في حاشيته ما فات الشارح من بيانٍ لكلام المصنف مما دعت الحاجة لبيانه مع مرور الزمان واختلاف الثقافة، وقد يأتي مَن يستدرك مباحثًا قد فات المصنف ذكرها في كتابه؛ ربما لعلم أهل زمان المصنف بها.

فلما تغيرت الثقافة والمستويات العلمية، أصبح من التجديد ذكر هذه الاستدراكات، وقد يأتي عالم متأخر ويرى تغير المزاج العلمي لأهل عصره وإعراضهم عن هذا الكتاب أو الباب مِن العلم، فيلجأ إلى التجديد فينظم الكتاب شعرًا يتغنى به طلاب العلم، أو يختصر الكتاب المطول ليسهل على الطلاب حفظه واستحضار أبوابه ومسائله.

ثم يأتي عالم آخر مجدد فيستفيد من دورة الكتاب السابقة في صياغة كتابٍ جديدٍ متضمنًا فحوى المتن وشروحه وحواشيه واستدراكاته ونظمه ومختصراته في مصنفٍ يناسب أهل زمانه، ويدرج فيه ما استجد من نوازل ومسائل كخطوة أخرى في طريق التجديد، وسرعان ما يخضع الكتاب الجديد لدورة تراثية جديدة كسابقه.

ومثال للكتب التي مرت بدورات التجديد، كتاب: مقدمة ابن الصلاح (ت: 643هـ) قال عنه ابن حجر (ت: 852هـ): "إِلى أَنْ جاءَ الحافِظُ الفقيهُ تقيُّ الدِّينِ أَبو عَمْرٍو عُثْمانُ بنُ الصَّلاحِ عبدِ الرحمنِ الشَّهْرَزُوريُّ -نزيلُ دمشقَ- فجَمَعَ -لما وَلِيَ تدريسَ الحديثِ بالمدرَسَةِ الأشرفيَّةِ- كتابَه المَشهورَ، فهَذَّبَ فنونَهُ، وأَملاهُ شيئًا بعدَ شيءٍ؛ فلهذا لمْ يَحْصُلْ ترتيبُهُ على الوضعِ المُناسِبِ، واعتنى بتصانيفِ الخَطيبِ المُتفرِّقةِ، فجمَعَ شَتاتَ مقاصِدِها، وضمَّ إِليها مِن غَيْرِها نُخَبَ فوائِدِها، فاجتَمَعَ في كتابِه ما تفرَّقَ في غيرهِ، فلهذا عَكَفَ النَّاسُ عليهِ وساروا بسَيْرِهِ، فلا يُحْصى كم ناظِمٍ له ومُختَصِر، ومستَدْرِكٍ عليهِ ومُقْتَصِر، ومُعارِضٍ لهُ ومُنْتَصِر" (نزهة النظر).

فكلام ابن حجر يشرح دورة مِن دورات التجديد في التراث الإسلامي، فبعد مصنفاتٍ متفرقةٍ للخطيب البغدادي في أبواب المصطلح يأتي أبو عمرو بن الصلاح فيجمع شتاتها في مصنفٍ مستقلٍ يطير الناس به، ويدخل في دورات مِن دورات التجديد.

فعمد إليه الناظمون يجعلون معانيه شعرًا لا تصيب قارئها بالسآمة، فنظمها الحافظ زين الدين العراقي (ت: 806هـ) في ألفيته: "التبصرة والتذكرة في علوم الحديث"، ومِن بعده الحافظ السيوطي (ت: 911هـ) في ألفيته أيضًا.

وأراد بعضهم اختصارها ليسهل حفظها واستحضار أبوابها، فجاء الإمام النووي (ت: 676هـ) فاختصر كتاب ابن الصلاح في "التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث"، ثم الحافظ ابن كثير (ت: 774هـ) في كتابه: "اختصار علوم الحديث".

وجاء مِن العلماء مَن تعرض لشرح الكتاب فبيَّن مشكله، وأورد الإيرادات على بعضه وأجاب على بعض ما انتقد عليه، فمن ذلك: "النكت على مقدمة ابن الصلاح" لبدر الدين الزركشي (ت: 794هـ)، و"التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح" لزين الدين العراقي (ت: 806هـ)، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" لابن حجر العسقلاني (ت: 852هـ).

ثم تأتي ألفية العراقي التي هي عنصر من عناصر دورة التجديد لكتاب ابن الصلاح فيدخلها العلماء دورة جديدة من التجديد التراثي فيشرحها مؤلفها، ثم ابن حجر، ثم السخاوي (ت: 902 هـ)، ثم الشيخ زكريا الأنصاري (ت: 926هـ).

وإلى يوم الناس هذا ما زالت هذه الكتب وغيرها محل اهتمام وتجديد وتقريب، سواء في الدراسة العامة، أو في الدوائر الأكاديمية يتم تسجيل الرسائل في خدمة هذه الكتب وتجديدها.

ثانيًا: النقد الذاتي للتراث:

وفي جانب آخر: يدندن البعض بضرورة إخضاع التراث الإسلامي للنقد؛ لبيان الأصيل منه والدخيل، وهي دعوة ظاهرها الحسن، وباطنها قبيح؛ إذ يقصد بها دعاتها في الغالب تغيير وتبديل تراثنا الإسلامي بتراث دخيل علينا، ولو خَبُر هؤلاء خصائص المكتبة الإسلامية؛ لوجدوا أن التراث الإسلامي ذاتي النقد، ولا ينتظر مناهج غربية وغريبة عنه لانتقاده.

الصفحة التالية