شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

دفاعًا عن فهم سلف الأمة!

شريف بكري • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد وصلني منشور افتتحه كاتبه بقوله: "خدعوك فقالوا: كتاب وسُنَّة بفهم سلف الأمّة"، تضمن عددًا من المغالطات العلمية وقع فيها الكاتب -هدانا الله وإياه-.

والمغالطات تبدأ من عنوان المنشور؛ إذ كان يجمل بالكاتب أن يختار تعبيرًا أجود من هذا؛ لأن العبارة المذكورة أقرها الكاتب في ثنايا كلامه بمعنى معين.

ولن نقف كثيرًا عند هذه النقطة لنتجاوزها لما هو أهم.

قال الكاتب: "خدعوك فقالوا: كتاب وسنة بفهم سلف الأمة!".

وهذه لافتة تتضمن مغالطة مكشوفة لأسباب، أهمها:

قوله: "إن سلف الأمة ليس لهم فهم واحد للكتاب والسنة، بل عشرات الأفهام، واختلفوا حتى في مسائل الاعتقاد، والحجّة في إجماعهم لا في أقوال أفرادهم، حتى إن قول الصحابي ليس حجّة عند الجمهور؛ فكيف بمن دونه؟! ولم يُثبت أحدٌ من أهل السنة العصمة لأفراد السلف الصالح؛ لا في العقائد ولا في الفروع، وحجية الإجماع ليست خاصة بإجماع السلف، بل إذا أجمع الخلف على حكم كان إجماعهم حجَّة، فمَنْ مِنَ السلف تتبع فهمه للكتاب والسنة؟".

والرد:

- مصطلح "فهم سلف الأمة" أعمق بكثير مما يظنه الكاتب، ففهم سلف الأمة ليس معناه آراء الأفراد في مسائل الفروع أو حتى المسائل الملحقة بمسائل الأصول، لكن فهم سلف الأمة أوسع من ذلك بكثير، والمفاجأة أن فهم سلف الأمة يتضمن في داخله الخلاف أيضًا وطريقة التعامل معه.

- "فهم سلف الأمة" ليس خطًّا رفيعًا كما تخيله الكاتب فنقضه، لكن فهم سلف الأمة يمثل دائرة واسعة كل ما كان داخلها كان موافقًا لفهم سلف الأمة، وما كان خارجها لم يكن كذلك، فعندك مثلًا الشافعي كان يفسر القرء بالحيض، وأبو عبيد القاسم بن سلام يفسره بالطهر، وتناظرا في هذه المسألة، فمن منهما موافق لفهم سلف الأمة؟ في الحقيقة: إن كلًّا منهما موافق لفهم سلف الأمة.

قيل: إن بعد هذه المناظرة تبدلت المواقف، فتبنى الشافعي مذهب القاسم بن سلام، وتبنى القاسم بن سلام مذهب الشافعي في تلك المسألة، حتى بعد تبدل المواقف ما زال الاثنان موافقين لفهم سلف الأمة لانطلاقهما من منطلق شرعي صحيح.

هذا يجعلك تعيد التفكير في قضية تحرير معنى "فهم سلف الأمة"؛ أن فهم سلف الأمة يشمل أصول العقائد والأحكام، ويشمل منهج التلقي والاستدلال والتطبيق، وكل هذا مجمع عليه فلا خلاف بين سلف الأمة في أصول العقائد والأحكام، فكلهم اعتقادهم واحد في الأصول فلم يجوز أحد منهم التعطيل ولا التشبيه، ولا الرفض ولا النصب، ولا التكفير بغير حق، ولا الإرجاء، ومعلوم أن الصحابة ليس فيهم صحابي واحد تابعًا الخوارج، ولا تابعًا للروافض، وهذا إجماع غفل عنه الكاتب، فليست العبرة بما تراه طائفة من الطوائف، لكن العبرة بما هو موافق للأصول.

كذلك منهج الاستدلال والتلقي تجد إجماع السلف على تقديم النص على ما سواه، وأن لا يقدموا على كلام الله ولا كلام رسوله قول أحد كائنًا من كان، كذلك ردوا على من نازع في ذلك الأصل من المتكلمين أتباع الفلاسفة.

كذلك عند التطبيق تجد فهم سلف الأمة حاضرًا بوضوح، فلا خلاف عندهم في قضية الموازنة بين عمل الدنيا وعمل الآخرة، واقتضاء القول العمل، ومراعاة الأحوال العامة والموازنات عند التعارض مع تعذر الجمع، وغير ذلك من الأصول.

هذه هي الدائرة الواسعة التي نقصدها عندما نذكر "فهم سلف الأمة" أن هناك إطارًا معينًا لا بد أن تكون داخله لتكون موافقًا لفهم سلف الأمة حتى وإن حصل اختلاف في آحاد المسائل.

- أيضًا في قضية الخلاف لا بد أن نقرر معنى مهم، وهو: أن دلالات النصوص ليست على درجة واحدة، فأصول الدين دلالة النصوص عليها واضحة لا تخفى، أما دلالة بعض النصوص على بعض الفروع قد يكون فيها قدر من الإجمال مع وجودها داخل إطار محدد، ولعل من حكمة الشارع في ذلك استخراج عبودية الاجتهاد وأن يبذل العالم وقته وجهده وفكره لتطلب مراد الله تبارك وتعالى من هذا النص، وهذه عبودية يحبها الله تبارك وتعالى، مع التأكيد مرة أخرى على ضرورة كون الاجتهاد داخل الإطار الذي شرعه الله، فمثلا خلاف الصحابة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج فقال ابن عباس رآه بقلبه وقال بقية الصحابة لم يره، كذلك خلاف العلماء في رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة، فمسألة الرؤية من حيث الأصل من مسائل أصول الاعتقاد المجمع عليها بعد النصوص الصريحة الواردة فيها، لكن مسألة رؤية النبي لربه ليلة المعراج أو مسألة رؤية غير المؤمنين لربهم في عرصات يوم القيامة هي مسألة ملحقة يصح وقوع الاختلاف فيها لعدم وجود النص القاطع في تلك المسألة مع دخول الجميع داخل الإطار العام وهو إثبات رؤية المؤمنين لله تبارك وتعالى يوم القيامة فهذا أصل لا خلاف فيه.

قال المعترض:

"الثاني: أن السلف الصالح عندك ليسوا سلفًا صالحًا عند غيرك: كأبي سعيد الدارمي وعبد الله بن أحمد، فهما من السلف الصالح عندك وليسا كذلك عند غيرك، والسلف الصالح عند غيرك ليس سلفًا صالحًا عندك، كالحارث المحاسبي وابن كُلَّاب فهما من السلف الصالح عند الأشاعرة، والقاسم بن إبراهيم الرسي (170 - 242هـ)، والهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (245 - 298هـ) من السلف الصالح عند الزيدية، وعبد الله بن إباض (أدرك كثيرًا من الصحابة) وأبو عبيدة مسلمة بن أبي كريمة (تقريبًا 45 هـ -150 هـ) من السلف الصالح عند الإباضية".

الرد:

هناك مغالطة واضحة وقع فيها الكاتب، وهي أنه قرن بين ذِكْر الدارمي وعبد الله بن أحمد وبين ذكر ابن كلاب ورؤوس الإباضية والزيدية؛ إذ الدارمي وعبد الله قطعا من أئمة السلف لا يُحفظ عنهم مخالفة في الأصول قائمة على اضطراد أصل مبتدع كما هو الحال مع رؤوس المتكلمين والإباضية والزيدية.

الصفحة التالية