شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تراجعات طه حسين.. حقيقتها وإلى أي مدى وصلت والدروس المستفادة (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

التغريب قبل طه حسين:

توجهت الكثير من سهام التغريب إلى الأمة على أيدي المستشرقين، ثم بدأ التغريب يتسلل تدريجيًّا عن طريق من هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وكانت الصدمة في أول الأمر في رفاعة الطهطاوي الذي أرسله "محمد علي" واعظًا للبعثة التي أرسلها إلى أوروبا، فعاد منها مولعًا بالحضارة الغربية متغنيًا بمدينة النور باريس؛ بيد أن رفاعة الطهطاوي ذاته كان حريصًا في كثير من الأحيان أن يضيف جملة اعتراضية خافتة من حيث عدد الألفاظ، ومن حيث معانيها، ومن حيث حرارتها: "أن هذا الإعجاب لا يتضمن النصيحة للمسلمين بأن يسلكوا سبيل الفرنجة، فنحن مسلمون، لدينا أخلاقنا وعاداتنا".

(وهذه العبارات الخافتة لم تمنع التغريبيين من اعتبار كتبه دستورًا للتغريب حتى يومنا هذا! ومهما حاولنا إبراز هذه العبارات من باب الاحتجاج على القوم أنكم خالفتم نصائح مَن تنتسبون إليهم، ولكن يا للأسف بقيت أثر العبارات باهتا كما خرجت يوم خرجت من صاحبها).

إلا أنه في النهاية يبقى "الطهطاوي" بعيدًا عن استهداف الشريعة الإسلامية استهدافًا مباشرًا؛ فضلًا عن استهداف السنة، وبقيت هذه الأبواب لا يجرؤ عليها إلا المستشرقون. وأما الهجوم على القرآن فكان من نصيب المستشرقين شديدي التعصب، غير المبالين بما يظهر في كلامهم من تعصب، ومن مجافاة لأبسط قواعد العقل والمنطق.

طه حسين وفتح باب التغريب على مصراعيه:

لا خلاف أن طه حسين يمثل الحلقة الأكثر سوءًا في قيادة التغريب من الداخل؛ ولذلك قاومته الأمة في حياته وبعد وفاته، وقد أحسن الأستاذ "محمود مهدي الإستانبولي" في جمع هذه الردود، واختصار ما يحتاج إلى الاختصار منها، ليكون مرجعًا واحدًا في السموم التي ألقاها طه حسين، وكيف قاومتها الأمة من تيارات مختلفة؛ من السلفيين وغيرهم، ومن الأزهر ومن خارجه، بل وبعض رموز المدرسة الوطنية، وذلك في كتاب: "طه حسين في ميزان العلماء والأدباء".

ولا شك أن أسوأ ما كتب طه حسين كما قال الأستاذ محمود شاكر -رحمه الله- هو كتاب: "في الشعر الجاهلي" المنشور سنة 1926، وكتاب: "مستقبل الثقافة في مصر" المنشور سنة 1938، ففي الأول ادعى ضياع الشعر الجاهلي، مما رآه العلماء أنه طعن في مصدر لغوي مهم جدًّا في تفسير القرآن في المواضع التي لم يأتِ فيها تفسير عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو الصحابة أو التابعين، ولكنه تضمن فوق هذا كفرًا صريحًا، وكان من أقبح ما قال فيه: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القضية التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب، ونحن مضطرون أن نرى في هذه القصة نوعًا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهود والقرآن والتوراة من جهة أخرى".

ثم إن طه حسين بعد موجة الهجوم عليه سحب الكتاب وأعاد طبعه باسم جديد، وهو: "في الأدب الجاهلي" مع حذف تلك العبارة الكفرية وتغييرات طفيفة أخرى.

إن هذا المسلك في إعادة طرح كتاب جديد جعل كثيرًا من الباحثين إلى يومنا هذا لا يعتبرون أن طه حسين قد تراجع عن هذا الباطل، فالأصل كان أن يطرح طبعة جديدة من ذات الكتاب بذات الاسم، وأن تتضمن الطبعة الجديدة اعتذارًا واضحًا، وتبرؤًا صريحًا مما قال.

وأما سحب الكتاب وإعادة طرح كتاب جديد؛ فقد صنفه معظم المفكرين على أنه مجرد انحناء للموجة، ولهم الحق في هذا، أو -على الأقل- يقال: إن ما فعله لم يحقق شروط توبة الداعي إلى ضلال؛ لأن من شروطها التبيين: ( ‌إِلَّا ‌الَّذِينَ ‌تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة: 160) .

ثم إن طه حسين كتب في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- كتبًا عدَّها البعض امتدادًا للتراجع، وعدها الأكثرون امتدادًا للهدم، وهي: "على هامش السيرة"، و"الشيخان"، و"الفتنة الكبرى"، ولك أن تتخيل أن كاتبًا في السيرة يذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا يصلي عليه! ولكنه عدل عن ذلك في الجزء الثالث من كتاب: "على هامش السيرة".

وحتى الذين عدوا هذه الكتب تراجعًا أو رجوعًا سوف يُصدَمون بأنه في عام 1938 قد نشر كتاب: "مستقبل الثقافة في مصر"، وهو كتاب في تزييف للتاريخ والوعي معًا؛ فأما التاريخ فزعم أن روابط مصر مع اليونانيين عبر التاريخ أوثق من روابطها مع الشام والجزيرة العربية حتى بعد أن نوَّرها الله بالإسلام.

وأما الوعي: فهو يرى أن الطريق الوحيد للتقدم هو تغريب الثقافة والتعليم والسياسة، وأخذ هذا الكتاب هو الآخر حظه من الهجوم والنقد.

ثم إن طه حسين قد ذهب للحج في عام 1955 وحكى مرافقه في هذه الرحلة مواقف من تأثره برحلة الحج، وحوارات اعتذر فيها لبعض محاوريه عن كتاباته التغريبية.

وقد حكى الدكتور "محمد الدسوقي" عددًا من الحوارات التي كان هو أحد أطرافها، أو شاهدًا عليها في الفترة من 1964 إلى وفاته عام 1973، تضمنت ترديدًا لبعض الأباطيل التي تعتبر امتدادًا لحياته الفكرية، مثل: إنكار رحلة المعراج، ولكنها تضمنت أيضًا كلامًا في تعظيم القرآن، والشهادة بأنه وحي، وأن ما أثبته يجب التسليم له (وهو أمر بديهي أن يقوله كل مسلم، ولكنه بالنسبة لطه حسين قد يكون أمرًا جديرًا بالتوقف عنده).

ثم جاء الدكتور "محمد عمارة" في كتاب: "طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام"، فجرد بعض المقالات الجيدة لطه حسين -بعضها يتعلق بقضايا سبق وأن قال فيها بأباطيل- من تعظيمه للقرآن، ومن مطالبته أن تكون الثقافة عربية خالصة، مما جعل د. عمارة يفسر هذا بأن طه حسين رجع تدريجيًّا وتحسَّن فكره، فكانت العشرينيات هي أسوأ فترات حياته، ثم تحسن نسبيًّا من الثلاثينيات إلى الخمسينيات ثم تحسن كليًّا من الخمسينيات إلى الستينيات، وهي فكرة كنت منحازًا إليها -عاطفيًّا على الأقل كما سأعود لمناقشة هذا لاحقًا-.

الصفحة التالية