شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مؤسسة تكوين الفكر العربي (2) تكوين على خطى طه حسين أم خطى المستشرقين؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سبق وأن أشرنا إلى أن مؤسسة "تكوين الفكر العربي" قد أقامت حفلها السنوي الأول أو بالأحرى حفل تدشينها وخصصته لتكريم طه حسين -رحمه الله- تحت عنوان: "خمسون عامًا على رحيل طه حسين: أين نحن من التجديد اليوم؟".

وطه حسين كان صاحب الصدمة الكبرى في تاريخ المسلمين المعاصر في كتابه: "في الشعر الجاهلي"، والتي تمثلت في أن يجرؤ رجل "فضلًا عن أن يكون أزهري المنشأ فيكتب تشكيكًا في القرآن ككل، أو في شيء ذكر في القرآن".

وطه حسين صاحب دعوة من أصرح الدعوات للتبعية للغرب في كتابه: "مستقبل الثقافة في مصر"، اضطر لكي يروج لها أن يزور التاريخ، فيدعي أن مصر عاشت تاريخها منبتة الصلة عن الشام والجزيرة العربية، وأنها كانت وثيقة الصلة باليونان، مدعيًا أن طريق التقدم لا يكون إلا بالارتماء في الثقافة الغربية الحديثة.

وطه حسين هو صاحب الدعوة إلى العبث باللغة العربية بصور متعددة، حتى إنه كان لا يعتبر الأديب أديبًا إلا إذا درس الأدب العربي على أيدي المستشرقين باعتبارهم أصحاب منهج علمي في دراسة الأدب العربي.

ويطول بنا المقام لو أردنا أن نتتبع سقطات وانحرافات طه حسين؛ إلا أنه من الثابت أنه تراجع في نقاط جوهرية من انحرافاته، وهو تراجع عن بعض وليس كل القضايا، ثم إنه في كثير من الأحيان انتقل من نقطة موغلة في السوء إلى نقطة لا تخلو منه ولكنها أهون شرًّا.

وهذا ما نتناوله في سلسلة مقالات بعنوان: "تراجعات طه حسين.. حقيقتها وإلى أي مدى وصلت والدروس المستفادة"، ولكن من الواضح أن "مؤسسة تكوين" يطالبون بإحياء فكر طه حسين في طبعته الأسوأ، وبالتالي يحق لنا أن نسألهم: أي طه حسين تريدون؟

هل هو طه حسين "في الشعر الجاهلي"؟ أم طه حسين "في الأدب الجاهلي"؟

ومن المعلوم أن الثاني كتبه ليتفادى النقاط التي كفَّره الأزهر بسببها في الأول، وبغض النظر عن هل يعتبر الثاني مقبولًا إسلاميًّا أم لا، فإن الكارثة أنهم يريدون أن يعودوا إلى الأول الذي انتفض الأزهر مكفِّرًا من يقول بهذا الكلام.

ولنا أن نسألهم: هل يريدون "طه حسين" الداعية إلى العبث باللغة وتهجينها باليونانية وباللهجات العامية واستعمال العامية؟ أم الذي يقرر أهمية الفصحى وضرورة الالتزام بها؟

وسوف تتضح لك الإجابة إذا تأملت الأمور التالية:

الأول: في مجلس أمناء مؤسسة تكوين "فراس سواح"، وهو ممن يزعم أن القرآن فيه أساطير، وقد قدمنا تكفير الأزهر لمن قال بهذا.

وللتوضيح: هم يدعون أنها وحي من عند الله، وليس أن النبي ? افتراها، ولكن يقولون: إن القرآن كلام أدبي والأدب تستعمل فيه الأساطير، فلا مانع من أن ينزل الوحي بها! لا سيما أن الأساطير كانت شائعة زمن الوحي.

وهو اعتذار سمج؛ فلا يخرج قولهم عن كونه وصف لله بأنه -تعالى- يخبرنا عن نبأ كذا وكذا، وهم يقولون: إن هذا النبأ كذب!

ومن هذا المنطلق كان تشكيك طه حسين في وجود إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- رغم ذكرهما في القرآن؛ ذكر هذا في كتاب: "في الشعر الجاهلي"، ثم حذفه من كتاب: "في الأدب الجاهلي".

الثاني: أن إسلام البحيري لما خرج مع الإعلامي عمرو أديب ليدافع عن مؤسسته، قال: إن كل المثقفين اتهموا بالإلحاد، وضرب مثالًا بـ"طه حسين" في كتابه: "في الشعر الجاهلي".

الثالث: أن أكبر رمزين في تلك المؤسسة تناولا حديثا يفهم منه أنهما وهما يحتفلان بمرور 50 عامًا على وفاة طه حسين يرون أنهما نهلا من المستشرقين كما نهل، وبالتالي فقد اعتبرا نفسيهما أهم منه.

أعلم أنهما اعتذرا بأن هذا كان مزاحًا، ولكن أعلم أن هذه المدارس تجيز أن تعيد تفسير النص بأدواتك أنت، ويرون أن النص ملك للمتلقي لا للمتكلم، وهو أمر عبثي لا يقدر أحد أن يقرره في أي نصوص لها صفة الإلزام.

ولكن الغرب اضطر أن يفعل هذا في نصوص كتبه التي يقدسها، وعاملها كما يعامل الأساطير، وكان هذا بالنسبة له خير من أن يكذبها، ثم علَّموا من ارتضى أن يجعلهم شيوخه أن يفعل هذا بالقرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!

ونحن لن نفعل معهم ما فعلوه مع القرآن، ولن نقول لهم أنتم قلتم كلامًا ونحن نفسره، ولكننا في ذات الوقت سنفسر الكلام بما ظهر منه، ونحن نعلم أن الأصل الجد لا المزاح، وأن المزاح إنما يراد بقرائن قولية وحالية، ولما كان السؤال جادًّا من قبل يوسف زيدان لزميله فراس سواح "هل أنت أهم أم طه حسين؟" (والفيديو موجود لا يوجد أي لغة جسد تقول: إن هذا كان مزاحًا)، ثم كانت الإجابة أكثر جدية: "أنا وأنت أهم من طه حسين"؛ فنحن لن نقبل منهما هذا التأويل السمج.

وتطلُّعهم طموح طبيعي لأي أحد يقف في طابور النقل عن المستشرقين، وترجمة سمومهم والدفاع عنها؛ حتى إن إسلام بحيري قبل أشهر قليلة كان غاضبًا من ترتيبه في نادي "مترجمي كلام المستشرقين"، وحزين جدًّا أن شخصًا مثل يوسف زيدان يعد متقدمًا عليه مع أنه متورط في مدح شيخ الإسلام ابن تيمية!

وأما طه حسين فقد وصل إلى أقصى درجة، ولعله ذاق مرارتها، أو لعله ذاق حلاوة القرآن لما أصغى إليه في إذاعة القرآن، فمات وهو على ما يمكن أن نصفه بدايات طريق العودة؛ فلو أردتم أن تقتفوا أثره فطريق العودة الآن أيسر، وبحوث الرد على المستشرقين وتفنيد شبهاتهم حول السنة النبوية من الكثرة والوفرة بمكان، وبيان محاسن الشريعة "بل وعلى ألسنة بعض الكفار كذلك" كثيرة -بفضل الله-.

وأما إذا أبيتم... فأعلنوها صراحة: أنتم مؤسسة "ترجمة أفكار المستشرقين!".

ودعوني مرة أخرى أستعمل أسلوبكم في افتراض التحليلات واقعًا، ولن أشتط بعيدًا -كما تفعلون-، وسأقدِّم تحليلات لبعض الأمور الغامضة، كلها ستحل لو وصفنا مركزكم أنه مركز "ترجمة أفكار المستشرقين".

1- من صاحب الفكرة؟

إسلام بحيري -الذي كان منذ أشهر قليلة في تلاسن مع يوسف زيدان- يقول: إن المشاورات مستمرة منذ أربع سنوات! ولم يذكر لنا مثلًا من صاحب الفكرة الأولى؟

وماذا لو افترضنا أنه مركز استشراقي ما؟ تبدو فكرة منطقية وسلسة، وأكيد أن هذا المركز يستطيع أن يجمع بعض المختلفين، أو ربما يكون اختلافهم أصلًا راجع لمن يكون صاحب الحظوة في هذه الخطوة.

هل من تفسير آخر؟

الصفحة التالية