شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مؤسسة تكوين الفكر العربي (3) إبراهيم عيسى يواصل تكوين كتابه "أَسَد" الغابة في الطعن في السيرة والصحابة!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كانت المقالة الأولى في هذه السلسلة بعنوان: "باحثون لا يقرؤون.. والنتيجة توابل في بردة كعب ومقدمة للموطأ لم يقرأها إلا البحيري!".

وقد خلصنا من هذين الموقفين الكاشفين إلى تلك الخلاصة:

"الخلاصة التي لا مناص منها: أن كلَّ واحدٍ من هؤلاء يُحدثنا بما يترجمه عن آراء المستشرقين، دون أن يُكلِّف نفسه حتى أن يفتح كتابًا ليبدو الأمر كما لو كان قد قام بالبحث!

ولعل لسان حالهم يكون ترديدًا لقول الشيخ علي عبد الرازق عن قوله في كتاب: "الإسلام وأصول الحكم": إن الإسلام مجرد علاقة روحية بين العبد وبين ربه: "إنَّها عبارة ألْقاها الشيطان على لسانه!".

فلا ندري... كم عبارة ألقاها الشيطان على لسان وقلم أقوام، ولكن يسهل رصدها؛ فهي تلك العبارات المصادمة لنصوص الكتاب والسنة، الدخيلة عما ارتضته الأمة عبر تاريخها، والتي متى طولب صاحبها أن يسند لنا عباراته استعان بالمراوغة والكذب، أو الإحالة على مخطوطات نما إلى علمه أن غيره قد اطلع عليها، ولكن في هذه الحالة سيبقى محتاجًا إلى تبرير علي عبد الرازق: "الشيطان الذي يكتب بقلم أحدهم ما يكتب".

على أنه كانت هناك عشرات الأمثلة يختص منها الأستاذ "إبراهيم عيسى" بمواقف لا تقل دلالة عن موقفي: توابل يوسف زيدان، ومقدمة الموطأ التي لم يرها إلا إسلام البحيري!

وهي طريقة نُطْق إبراهيم عيسى لمرجع رئيسي -زعم أنه استقى منه كثيرًا من سمومه في أحد برامجه!-، وهو كتاب: "أُسْد -(بضم الهمزة)- الغابة في معرفة الصحابة" ، ولكن إبراهيم عيسى كان يقرأها أَسَد الغابة (بفتح الهمزة!).

وقد صحح له هذا النطق أحد المتصلين لما كان إبراهيم ضيفًا في برنامج عمرو أديب، وهو موجود على اليوتيوب، وبالطبع عنوان: "أَسَد الغابة" يأخذنا في طريق كتابات الأطفال، أو حكايات ألف ليلة وليلة، ولا أدري: لماذا ترك إبراهيم عيسى عالم الحيوان والقصص الأسطورية؛ لينصب نفسه باحثًا تاريخيًّا في التاريخ الإسلامي!

ومرة أخرى نحن أمام ظاهرة خطيرة:

-عندما يخطئ من يدعي البحث في اسم كتاب يزعم أنه مرجع رئيسي لبحثه؛ فهذا يعني أنه منتحل للبحث، وهذا يدفعنا أن نبحث نحن عن الباحث الأصلي (ولن نجد صعوبة في اكتشاف أن الباحث الرئيسي هم المستشرقون!).

-الأمر الأنكى: أنه ليس فقط منتحلًا للبحث، ولكنه حتى لم يكلِّف نفسه أن يتحقق منه ولو بمراجعة المصادر الأصلية!

- والأشد من هذه وتلك أنه حجب عنا صاحب البحث الأصلي؛ لأن القارئ إذا علم أن الباحث عدو لديننا وحضارتنا؛ فبلا شك سيكون الأصل في بحثه التهمة.

- والأخطر من هذا كله: أن كلام المستشرقين ليس بجديد، بل بدأ منذ عدة قرون، وسبقهم إليه بعض الزنادقة، وهو -على الأقل- منشور على نطاق واسع منذ بدايات القرن العشرين؛ أي: منذ قرن كامل كُتبت خلاله عشرات -إن لم يكن مئات- الردود على كل شبهة أثارها المستشرقون، فمن خيانة الأمانة أن يأتي أحد ليردد كلام المستشرقين ناسبًا إياه لنفسه باعتبار أنه نقد من داخل الصف الإسلامي، وأن يتعامى عن هذه الردود؛ فلا يعرِّج عليها، ولا يشير إلى حرف منها!

وبالتالي: لما نشرتْ لنا تكوين فيديو لإبراهيم عيسى بعنوان: "هل السيرة النبوية صحيحة؟"، كان يغلب على ظني مسبقًا أن الفيديو سيردد شبهات المستشرقين، وقد كان؛ إلا أنني لما تصفحت موقع تكوين فوجئت بمقالة بعنوان: "لغز ابن إسحاق: سيرة كاتب السيرة النبوية" لأحمد شوربجي، وهالني التطابق بين المقال والفيديو حتى يخيل لك أن إبراهيم عيسى قد خرج ليقرأ علينا مقالة زميله التكويني دونما إشارة، أو أن الثاني هو مَن فرَّغ حلقة إبراهيم عيسى ونسبها في مقالة لنفسه!

ويبدو أن الاحتمال الأول أقرب؛ لأن الفارق الوحيد تقريبًا في العنوان، وعنوان شوربجي أكثر مطابقة لأفكار المستشرقين؛ فهو يكرس لأمرين:

الأول: أن المصدر الوحيد لسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- هو سيرة ابن إسحاق. (حقيقة الأمر أن موقع هذا المصدر في أدبيات السيرة هو إكمال الرابط القصصي، وأما المواقف المؤثرة عقديًّا وفقهيًّا وأخلاقيًّا فموجودة فيما نزل من آيات تتعلق بوقائع السيرة، وبما اعتنى به أهل العلم فرووه بإسناد كتب أحاديث الأحكام في البخاري ومسلم، وكتب السنن والمسانيد، وغيرها من كتب السنة).

والثاني: أن ابن إسحاق اختلف العلماء فيه بين توثقيه وتوهينه، وأن قواعد علم المصطلح تقتضي تغليب جانب الجرح، وبالتالي نجد أن الكاتب اختار لمقالته عنوان: (سيرة كاتب السيرة النبوية)، فشوربجي أراد أن يكون عنوان مقاله أهدأ من مضمونه، على العكس من إبراهيم عيسى الذي جعل عنوان مقطع الفيديو الخاص به صادمًا إلى أقصى درجة، فطرح سؤال: (هل السيرة النبوية صحيحة؟!)، والسؤال بهل تكون إجابته: بنعم أو لا. ولا شك أن مجرد طرح هذا السؤال سوء أدب مع سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إلا أن إبراهيم امتن علينا في نهاية كلامه باعتبار أن هناك مصدرًا وحيدًا صحيحًا للسيرة، وهو القرآن الكريم.

إذًا فطرح سؤال: (هل السيرة النبوية صحيحة؟) كان طرحًا ينم عن فقر في اللغة، أو عن سوء قصد؛ لأننا لو افترضنا أن إجابته صحيحة (وهي ليست كذلك قطعًا)، فكان يجب أن يوجِّه سؤاله للمصادر التي تَشكَّكَ فيها، وهي: سيرة ابن إسحاق -كما فعل زميله شوربجي-؛ إلا أنه أراد أن يجوِّد، فكانت النتيجة مزيدًا من التورط في الوحل كالمعتاد!

والخلاصة: أن ما كتبه شوربجي وقرأه إبراهيم كلام قديم قاله المستشرقون.

وقد فنَّده كثير من الكتاب في كتب كثيرة، منها: كتاب: "سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والمستشرقون"، وكتاب: "السيرة النبوية وكيف حرَّفها المستشرقون"، ومنها: "المستشرقون ومصادر التشريع الإسلامي"، وبعض المؤلفات تخصصت في نقد طريقة تناول مستشرقين معينين للسيرة، مثل: "السيرة النبوية في فكر مونتجمري وات، وكارين أرمسترونج.. دراسة تحليلية تقويمية".

الصفحة التالية