شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مؤسسة تكوين الفكر العربي (3) إبراهيم عيسى يواصل تكوين كتابه "أَسَد" الغابة في الطعن في السيرة والصحابة!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ومنها مَن توسَّع في بيان مصادر ابن إسحاق في السيرة؛ لبيان عور نظرة المستشرقين لسيرة ابن إسحاق، مثل كتاب: "مصادر سيرة ابن إسحاق"، ومنهم من لخَّص كل ذلك في مقدمة كتاب عن السيرة النبوية، مثل: مصطفى السباعي في مقدمة كتابه: "السيرة النبوية".

ومِن أجود مَن فعل هذا "محمد رجب بيومي" في كتاب: "السيرة النبوية عند الرواد المعاصرين"، وهو كتاب يترجم لأشهر مؤلفات السيرة في العصر الحديث، ويبيِّن أنه كان من أهم أغراض تأليف المعاصرين في السيرة الرد على المستشرقين، وقدَّم لهذا ببحثٍ وافٍ في بيان عور تناول المستشرقين لسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- (ربما يعيبه الترحيب بكل ناقد للمستشرقين، وإن كان في حقيقته متأثرًا بهم، ولكن هذا الأمر لا يؤثر على جودة بحثه ككل، وبالذات في قضية نقد منهج المستشرقين).

وأسأل الله أن ييسر لي تلخيص هذه الفوائد في مقالة واحدة؛ بيد أننا نلخصها هنا في نقاط محددة:

- المصدر الأول لسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- هو القرآن الكريم، وهنا قد يدعي مدعٍ: أن هذا هو كلام إبراهيم عيسى، ولكن ها هنا فارقان جوهريان:

الأول: أن إبراهيم عيسى يجوِّز تفسير القرآن بالرأي دون الرجوع إلى أسباب النزول، وإلى التفسير الأثري، وبالتالي فتقريبًا لا يمكن الجزم في هذا المنهج المعوج: أن أي آية من التي نزلت في بدر، وأُحُد، وصلح الحديبية، وغزوة الأحزاب، وخيانات اليهود؛ أنها تتعلق بهذه الوقائع. وقد رأينا كيف تلاعب "مفكرو تكوين!" بآية من أصرح الآيات، وهي قوله -تعالى-: ( سُبْحَانَ الَّذِي ‌أَسْرَى ‌بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) (الإسراء: 1).

الثاني: أن هناك وقائع سيرة جاءت في السنة، لم ينزل بشأنها قرآن، وإبراهيم عيسى لأنه يطعن في السنة عمومًا، فالطبيعي ألا يذكرها كمرجع للسيرة.

- المصدر الثاني للسيرة هو ما صَحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما ورد في البخاري ومسلم، والسنن الأربعة: النسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وما ورد في المسانيد: كمسند أحمد، ومسند عبد الرزاق، وهي أحاديث كثيرة سجَّلت المواقف المؤثرة في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

نعم لا نرى فيها الترابط القصصي، ولكن لا يكاد يخرج عنه موقف مؤثر عقديًّا أو فقهيًّا، أو أخلاقيًّا بالذات أخلاق الحرب في الإسلام، وأحكام المعاهدات والصلح والعهود.

تنبيه: سبب عدم اكتمال النسيج القصصي للسيرة في كتب السنة أن العرب أمة ديوانها الشعر، والحفظ عندها هو وسيلتها الأساسية لحفظ أخبارها، وجاءت رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-، فعلَّم أصحابه القرآن والسنة، وحفظوا عنه أقواله وأفعاله وتقريراته، وشرعت الكتابة معضدة للحفظ، وفي أول الأمر لم يكن مأذونا إلا في كتابة القرآن، وأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- لبعض من يُؤمَن عليه اختلاط القرآن بالحديث أن يكتب مثل عبد الله بن عمر بن العاص -رضي الله عنهما-، وكان هذا الإذن إيذانًا: أن الأمة متى أمنت من هذا الاختلاط فيمكنها أن تشرع في كتاب الحديث، وقد كان؛ فبعد جمع المصحف فتح المجال لأن تخرج كتابة الحديث من طور كتابة كل راوٍ لنفسه لكي يُحدّث من صحفه بعد ذلك، إلى الكتابة التي يراد بها الانتشار لدى العامة، وفي جمع الحديث وكتابته كان الاهتمام:

- بالأحاديث التي لها تعلق بالتفسير.

- والتي لها تعلق بالعقيدة.

- تلاها التي لها تعلق بالفقه.

وهذا فيما يتعلق بخروج الأحاديث من طور الكتابة الفردية للرواة إلى طور الكتب المجموعة المعنية بأحاديث جانب معين من جوانب الدين.

وبالتالي فُرّقت وقائع السيرة بين كل كتب السنة هذه، ولأن الرابط القصصي يبقى في الناس ولا يخشى عليه الضياع تأخرت العناية به بعض الشيء.

- ومن الجدير بالذكر: أن الشيخ محمد الخضري -رحمه الله- كتب كتابه: "نور اليقين في سيرة خير المرسلين" معتمدًا فقط على القرآن، وما ورد في دواوين السنة دون الحاجة الى المصادر الأخرى؛ بيد أنه استفاد فقط من ترتيب ابن هشام، فخرج كتابًا رائعًا كافيًا، وما زال يدرس في كثير من المعاهد العلمية حتى الآن.

- والمصدر الثالث: ما جمعه بعض التابعين المعنيين بالسير حيث إنه وجدت رغبة عند عدد من أفاضل التابعين في المدينة حيث كانت كثير من وقائع السيرة، وما لم يقع في المدينة فكان جزمًا يصل إلى المدينة مكان إقامة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وهم أبان بن عثمان بن عفان، وعروة بن الزبير بن العوام، والزهري، ووهب بن منبه، وآخرون، ومرويات هؤلاء تعتبر مصدرًا ثالثًا للسيرة النبوية بجانبها القصصي وتفاصيلها الدقيقة.

- يزعم البعض: أن مرويات هؤلاء قد انتقلت إلى ابن إسحاق، وبالتالي قد ضاعت، وهذا من الجهل أو الخداع، فهؤلاء جمعوا عن آبائهم وعمن أدركوا من الصحابة أخبار المغازي وحدثوا بها تابعي التابعين، ومِن ثَمَّ تفرقت أحاديتهم بحسب سير الرواة بها، فوجدت في الصحيحين، وكتب السنن، وبقي القدر الأكبر منها في المسانيد، وهذا كله لا علاقة لابن إسحاق به، ولا علاقة لها بسيرة ابن إسحاق وإن كان ابن إسحاق قد أخذ عنهم، لكنه لم ينفرد بالأخذ عنهم.

والجدير بالذكر: أنه وجدت بحوث معاصرة تتبعتْ مرويات واحد أو أكثر ممن سمّينا من التابعين في دواوين كتب السنة، فخرجت بكتاب سيرة قارب سيرة ابن هشام، ومن هذه البحوث دراسة الدكتوراة التي أعدها الشيخ عادل عبد الغفور حول مرويات عروة بن الزبير، بخصوص سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكانت بإشراف الدكتور ربيع المدخلي (لا أظن أننا نحتاج هنا إلى التأكيد على أن كلًّا يُؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-).

- أما ابن إسحاق فسمت همته إلى تدوين كتاب ينقله عنه الرواة ككتاب (ينسخون نسخة منه كتابة، ثم يقرؤونه عليه أو يقرأه عليهم)، ومن هنا قيل: إنه أول كتاب في السيرة، وهذا الوصف صحيح بهذا المعنى الذي ذكرناه، ولكن من سوء فهم المستشرقين وسوء قصدهم؛ أنهم يعبِّرون عن هذا بأنه المصدر الوحيد لسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الجواب عن شبهة ضعف ابن إسحاق في الحديث:

الصفحة السابقة الصفحة التالية