شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (39) ترك الحج (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة، التي ضَمِن الله لمَن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .

- ترك الحج من أكبر الكبائر، وأعظم الجرائر، فهو فارق بين الإيمان والكفر: قال الله -تعالى-: ( وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ) (آل عمران: 97) . قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "من مات ولم يحج وهو قادر، فليمت إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا" (قال ابن كثير: "وإسناده صحيح إلى عمر -رضي الله عنه-") .

(1) مكانة الحج من الدين:

- الحج عبادة من أجل العبادات في دين الأنبياء -عليهم السلام- منذ فجر التاريخ: قال -تعالى- لأبي الأنبياء: ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ) (الحج: 27، 28) .

- الحج ركن من أركان الدين والإيمان في الإسلام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) (متفق عليه) .

- كانت شرائع الإسلام تنزل شيئًا فشيئًا، ونزل الفرض بالحج في أواخر الشرائع، فصار مسك الختام، وكمال الدين وتمام النعمة والإيمان؛ ولهذا لما حج النبي -صلى الله عليه وسلم- أنزل الله قول -تعالى-: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) (المائدة: 3) .

- ولا عذر في ترك الحج أو تأخيره لمن ملك الاستطاعة ولو كان مريضًا: ففي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قال: فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ.. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِى شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: ( نَعَمْ )، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاع" (متفق عليه) .

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِى أَدْرَكَ الإِسْلاَمَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لاَ يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: ( أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ )، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ( أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دِينٌ فَقَضَيْتَهُ أَكَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ )، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَاحْجُجْ عَنْهُ ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) .

- وجاءت نصوص الوعيد فيمن ترك الحج مع استطاعته، أو مات ولم يحج: قال -تعالى-: ( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (آل عمران: 97) . قال ابن عباس ومجاهد -رضي الله عنهما- في هذه الآية: "مَن لم يرَ حجه بِرًّا، ولا تركه إثمًا، كفر" (سنن البيهقي) ، وقال السدى: "من وجد ما يحج به ثم لا يحج، فهو كافر" (تفسير ابن جرير) ، وقال عمر -رضي الله عنه-: "لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة -يعني سعة من المال- ولم يحج ليضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين" (صححه ابن حجر في تلخيص الحبير) ، وقال سعيد بن جبير: "لو كان لي جار موسر ثم مات ولم يحج لم أصلِّ عليه" (مصنف ابن أبي شيبه) ، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله-: "ومن استطاع السبيل فلم يحج فإسلامه وإيمانه ودينه في اختلال، وهو أعظم جرمًا من الزاني والسارق وشارب الخمر" (خطب الشيخ السعدي في مجموع مؤلفاته) .

(2) فضل رحلة الحج والعمرة:

- إنها الرحلة إلى الله تلبية لأمره، مع هجر الأوطان وبذل الأموال وتحمل المشاق، طلبا للمغفرة: قال -تعالى-: ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) (الحج: 27، 28) ، وفى الحديث القدسي: ( عِبادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ ‌يَرْجُونَ ‌رَحْمَتِي ‌ويَخَافُونَ ‌عَذَابِي ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .

- إنها رحلة التكفير عن الذنوب، والبركة في الأموال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَن حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، ولَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَومِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ ) (متفق عليه) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌الْعُمْرَةُ ‌إِلَى ‌الْعُمْرَةِ ‌كَفَّارَةٌ ‌لِمَا ‌بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( تَابِعُوا ‌بَيْنَ ‌الحَجِّ ‌وَالعُمْرَةِ، ‌فَإِنَّهُمَا ‌يَنْفِيَانِ ‌الفَقْرَ ‌وَالذُّنُوبَ ‌كَمَا ‌يَنْفِي ‌الكِيرُ ‌خَبَثَ ‌الحَدِيدِ ) (رواه الترمذي والنسائي، وقال الألباني: "حسن صحيح") .

- إنها رحلة النزول في ضيافة أكرم الأكرمين -سبحانه وتعالى-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَفْدُ اللهِ ثَلَاثَةٌ: ‌الْغَازِي، ‌وَالْحَاجُّ، ‌وَالْمُعْتَمِرُ ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الحُجَّاجُ ‌والعُمَّارُ ‌وَفْدُ ‌الله، دَعاهُمْ فأجابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطاهُمْ ( (رواه البزار، وحسنه الألباني) .

(3) أعذار واهية عند التاركين:

- الأعذار تختلف وتتنوع بين التاركين، ولكن جملتها وأشهرها أمور: (البخل بالمال - الخوف من المشقة - صغر السن).

الصفحة التالية